الجمعة، 26 أكتوبر 2012

أم سمير


جارة ستي، الله يرحمهم هم الاتنين، كان اسمها طنط نبيلة لكن كانت تقول لتيتة يا "أبلة" لجل حفظ المقامات، هي كانت الصراحة أصغر من تيتة وماكنش يصح زمان إنها تناديها باسمها عيانا بيانا كدة، فكانت تيتة "أبلة" أو "ست أم سمير". سمير شخصيا بقى، اللي هو خالي ربنا يديله الصحة ويجازيه عننا خير الجزاء، كان أكبر إخواته فكان اسمه "أبيه سمير"...ودة بس لأن الشيء بالشيء يذكر فنرجع لطنط نبيلة اللي معرفش ليه كنت بطلع عندها كتير، كونها كانت ساكنة في الدور اللي فوق ستي، وكانت عايشة مع حماتها وجوزها وولادها. حماتها كانت بتعمل حاجة غريبة بالنسبة لطفلة لم تتعد الخمس سنوات...كانت بتمد ايدها في صندوق نحاس كبير باينه كان بتاع شوكولاتة أو بنبوني مستورد، تطلع منه علبة صغيرة زي الكستبان، ودة طبعا من المفردات اللي اتربيت عليها لولع أهل أمي بالحياكة، وتطلع منه شيء زي الفتات تقبض عليها بصباعين وتتوجه به نحو مناخيرها، وبعدين تتنشقه في نشوة وتعطس عطسة كبيرة، ودة كان حال بعض الستات الكبار في هذا العصر مع البتاع دة اللي اسمه "نشوق" واللي هو نوع من أنواع التبغ! 

الست نبيلة كانت منظمة ومرتبة ونضيفة جدا وفضلت أطلع أزورها حتى بعد ما كبرت وولادها اتجوزوا وماتت قبل جدتي بسنوات كثيرة، أما صديقة تيتة الحقيقية فكانت أكبر منها وكانت اسمها "نادرة" الله يرحمها، أو "أم جميل" ولما "جميل" مات في حياتها اتسمت على اسم حد تاني من ولادها مش فاكراه! وكان أولاد تيتة، اللي هم ماما وخلاني" مايقولوش عليها إلا "نينة أم جميل" من فرط اعتبارها أم تانية ليهم. 

تيتة كانت شخصية مثقفة وبتسمع للراديو ليل نهار بعد وفاة جدي وتفريق أولادها، علمتنا نسمع أبلة فضيلة وربات البيوت وياما احتفلت بينا بصواني البطاطس المقلية اللي كنّا بنموت فيها. تيتة وقت العيد وتحضير الكحك، البيت كله كان يبقى على رجل، وتمسك المنقاش بنفسها وتنقش الكحك واحدة واحدة كأعظم فنانة نحت، ولما كنت أتحايل عليها كانت تسيبني أنقش واحدة بالعافية، وتنده على خالي الصغير "يوسف" عشان يشيل الصواني ينزلها تستوي في الفرن اللي في الشارع! خالي كان بيستتقل الموضوع دة، هو الصراحة ماكنش بيقول إنما كان بيبان عليه، لكن كان بيسمع كلامها عشان رضاها، ينزل بنفسه الصواني ويرجع يطلعها تاني عشان تيتة ترش السكر وناكل أحلى كحك في الدنيا! العيد كان لمة وكان عيدية، وكان كحك وصواني ومنقاش، كان بمب وبلالين ولبس جديد وشنطة جديدة ماما لازم تجيبها لي من عند چانتي في وسط البلد برغم إني ماكنتش لسة طلعت م البيضة! 

هو أنا ليه افتكرت الكلام دة؟! وفي أمريكا؟ دة الكلام عن تيتة ممكن ياخد مليون صفحة لو هحكي عنها...كل الحكاية إني بتكلم مع سيدة عربية تعرف إني مدرسة فبتقول لي: "أبلة سيونارا....كذا كذا كذا" ولم أسمع أي كذا من الكذا، سمعت فقط "أبلة" ورجعت ٣٥ سنة مرة واحدة بآلة الزمن لقيتني قاعدة بتفرج على حماة الست نبيلة بتاعة النشوق والأخيرة تنادي على جدتي ب "أبلة"!! 

وبالمناسبة، لما توفت ستي كتبت لها ما يلي، ودة كلام متصور لذكراياتي وياها: 

ست البنات 
قاعدة في حجر ستها
قدام صينية وكوم عجين
منديل بأوية ع الجبين

صورة وقف عندها عمري اللي فات

ستي أنا
سمنتها بلدي من الغالية
ومنقاشها سنانه حامية
وليلة العيد
نقعد وننقش في العجين
ونرص كحكه في الصواني
ثواني
ونار الفرن تنقاد له
وينزل خالي ويبرطم -زي عوايده
بصوانيها
ويرجع بيها مسويّة
ترش ستي عليها سكّر
وتعينها قبل ما تتكسّر

ستي أنا
ضحكتها تبلع الحيطان
وعيونها سقّاية وغيطان
وحنان يفيض
نقعد نحكّي بالسنين
وستي حفيظة أغاني
وآه ياني
مل " القط الأسود وجعته عينه...
والقط الأبيض ما سأل عنه..."
كانت محفظاني: 
"
ست البنات تضرب عل العود...
وتقول...يا سي محمود"
العود دة للأسف اتكسّر 
يوم ما أنا...بدأت أكبر

ستي أنا
هاجر وقابلت ربها
راحت معاها قلبها
معطر ريحان

الخميس، 25 أكتوبر 2012

لا عزاء لهن


لا عزاء لهن...

غسان كنفاني، الكاتب والبطل المناضل المريض بداء السكري كان متجوز وعنده عيال لما قابل غادة السمان الكاتبة والشاعرة المشهورة الآن والتي كانت في بداياتها وقتئذ، وحبها، وقع في دباديبها الصراحة وهاتك يا جوابات حب متأجج واعترافات بعذابات الغرام وسنينه وتلميحات إنه اللي بينه وبين زوجته احترام، مجرد احترام، وغادة تتقل وتتدلل متعللة بإنه راجل متجوز ومفيش منه رجا! عندما توفي غسان، لم تجد غادة غضاضة في أن تنشر خطاباته إليها متعللة بإن كل ما كتبه غسان هو ملك للأدب، كما نشرت في بعض الصحف والمجلات ترجو من وقعت في يديه خطاباتها بأن يرسلها إليها أو ينشرها، لكن محدش عبرها، وإني لأتخيل أن خطابات غادة لم تقع في يد أحد إلا أرملة غسان اللي تلاقيها قطعتها ميت حتة وحدفت القصاقيص من الشباك ليتساقطوا مثل عصافير الجنة....

غسان اكتشف إنه ماكنش سعيد مع مراته لما قابل غادة وحبها، وكان ممكن جدا يتزوجها لو الأمور مشيت في هذا المسار، وماكنش حد هيقدر يلومه، إنه الحب، لامور، طب والعيال والمدام والكلام؟! وقتها دة كان هيبقى كلام فاضي أمام الحب العاصف الجارف....لكن إيش القول لو اللي حصل دة كان بالعكس، يعني إن الست هي المتجوزة وعايشة بالعافية مع واحد ماتحبوش عشان عيالها، وبعدين تلاقي في واحد كان، اسمه غسان أو إحسان مش هتفرق، حبها الضائع، يكون العمل إيه؟ طب لو مشتها جوابات بس برضه، هنقول عليها إيه؟ طب لو صارحت زوجها إنها تود أن تنهي الزيجة هيحصل إيه؟ والعيال والمجتمع والكلام؟ 

الغريب في أمر نشر خطابات غسان بعد وفاته، إن الناس هاجمت غادة، وقالوا كيف تجرؤ وهو العاشق الولهان مش كفاية دلالها عليه وتعذيبه بالحب وهو عايش، كمان تفضحه بعد ما يموت؟ إنما لو كانت غادة متزوجة وهي تكتب خطاباتها، كنّا هنسمع كلام تاني خالص. أنا لا أبرر الخطيئة للطرفين لكني أستنكر نظرة المجتمع لما يحق للرجل وتحرم منه المرأة في نفس ذات الوقت، وَيَا ترى لو قابلنا الحب في أي وقت، نأجل معاه لحد ما نلم الغسيل وندي الواد لأبوه ولا نقول له اتفضل ونعزمه على كوباية شاي؟ نرد الباب ولا نناديله؟ أسئلة اختلفت النساء في الرد عليها. 

في الحقيقة الست في مجتمعنا مش دائماً أم العيال المستضعفة اللي هتضحي بكل حياتها عشان عيالها وهي عايشة في كنف راجل بينكد عليها، قابلت كذا سيدة في حياتي لما قابلت حبها القديم وهي متزوجة، أنهت زواجها الفاشل وتزوجت بمن تحب...وعاشوا في تبات وحب ونبات وخلفوا صبيان وبنات ولموا العيال القدام على العيال الجداد...وقابلت كذا سيدة برضه فضلت مستمرة في الزيجة الفاشلة عشان العيال يتربوا ما بين أب وأم بيختلفوا أكتر ما يتفقوا، وتفضل تقنع نفسها إنها عملت الصح، ربنا يجازي مثل هؤلاء السيدات على صبرهن خير جزاء، وقابلت كذا سيدة لا قدرت تستمر في الزيجة الفاشلة (حتى لو الانفصال ماكنش على الورق) ولا قدرت تحب، وبصراحة لا أجد لمثلهن إلا الجنة على هذا النوع النادر من الصبر، فالحياة دون حب صعبة ومقفرة، لدرجة إن لي صديقة زوجها معذبها وهي يا عيني تقول لنفسها إنه بيحبها بس مش واخد باله، لأنها لا تتصور أن تعيش حتى بدون وهم الحب! 

الله يرحمك يا غسان، حبيب أصيل...."غادة، حياتي، أنت، بعد، لا تريدين أخذي، تخافين مني أو من نفسك أو من الناس أو من المستقبل. لست أدري ولا يعنيني أنك لا تريدين أخذي، وأن أصابعك قريبة مني تحوطني من كل جانب، كأصابع طفل صغير حول نحلة ملونة...تريدها وتخشاها، ولا تطلقها ولا تمسكها ولكنها تنبض معا..."

الراجل كان بيتعذب بالحب، وبيتعذب من مرض السكر وبيتعذب من النضال من أجل الوطن وبيتعذب من كونه مع مراته اللي مش بيحبها، وغادة ماكنتش لسة اتجوزت، لازمته إيه كل العذاب دة، ما كانت اتجوزته الكام سنة اللي عاشهم وخلاص، ناس ماتقدرش النعمة! 

إيه علاقة الموضوع دة ببلاد العم سام؟ العلاقة وطيدة جدا، وهي إني فكرت في الموضوع بعد ما قرأت الخطابات في بلاد العم سام، علاقة دي ولا مش علاقة يا متعلمين يا بتوع المدارس؟!