جارة ستي، الله يرحمهم هم الاتنين، كان اسمها طنط نبيلة لكن كانت تقول لتيتة يا "أبلة" لجل حفظ المقامات، هي كانت الصراحة أصغر من تيتة وماكنش يصح زمان إنها تناديها باسمها عيانا بيانا كدة، فكانت تيتة "أبلة" أو "ست أم سمير". سمير شخصيا بقى، اللي هو خالي ربنا يديله الصحة ويجازيه عننا خير الجزاء، كان أكبر إخواته فكان اسمه "أبيه سمير"...ودة بس لأن الشيء بالشيء يذكر فنرجع لطنط نبيلة اللي معرفش ليه كنت بطلع عندها كتير، كونها كانت ساكنة في الدور اللي فوق ستي، وكانت عايشة مع حماتها وجوزها وولادها. حماتها كانت بتعمل حاجة غريبة بالنسبة لطفلة لم تتعد الخمس سنوات...كانت بتمد ايدها في صندوق نحاس كبير باينه كان بتاع شوكولاتة أو بنبوني مستورد، تطلع منه علبة صغيرة زي الكستبان، ودة طبعا من المفردات اللي اتربيت عليها لولع أهل أمي بالحياكة، وتطلع منه شيء زي الفتات تقبض عليها بصباعين وتتوجه به نحو مناخيرها، وبعدين تتنشقه في نشوة وتعطس عطسة كبيرة، ودة كان حال بعض الستات الكبار في هذا العصر مع البتاع دة اللي اسمه "نشوق" واللي هو نوع من أنواع التبغ!
الست نبيلة كانت منظمة ومرتبة ونضيفة جدا وفضلت أطلع أزورها حتى بعد ما كبرت وولادها اتجوزوا وماتت قبل جدتي بسنوات كثيرة، أما صديقة تيتة الحقيقية فكانت أكبر منها وكانت اسمها "نادرة" الله يرحمها، أو "أم جميل" ولما "جميل" مات في حياتها اتسمت على اسم حد تاني من ولادها مش فاكراه! وكان أولاد تيتة، اللي هم ماما وخلاني" مايقولوش عليها إلا "نينة أم جميل" من فرط اعتبارها أم تانية ليهم.
تيتة كانت شخصية مثقفة وبتسمع للراديو ليل نهار بعد وفاة جدي وتفريق أولادها، علمتنا نسمع أبلة فضيلة وربات البيوت وياما احتفلت بينا بصواني البطاطس المقلية اللي كنّا بنموت فيها. تيتة وقت العيد وتحضير الكحك، البيت كله كان يبقى على رجل، وتمسك المنقاش بنفسها وتنقش الكحك واحدة واحدة كأعظم فنانة نحت، ولما كنت أتحايل عليها كانت تسيبني أنقش واحدة بالعافية، وتنده على خالي الصغير "يوسف" عشان يشيل الصواني ينزلها تستوي في الفرن اللي في الشارع! خالي كان بيستتقل الموضوع دة، هو الصراحة ماكنش بيقول إنما كان بيبان عليه، لكن كان بيسمع كلامها عشان رضاها، ينزل بنفسه الصواني ويرجع يطلعها تاني عشان تيتة ترش السكر وناكل أحلى كحك في الدنيا! العيد كان لمة وكان عيدية، وكان كحك وصواني ومنقاش، كان بمب وبلالين ولبس جديد وشنطة جديدة ماما لازم تجيبها لي من عند چانتي في وسط البلد برغم إني ماكنتش لسة طلعت م البيضة!
هو أنا ليه افتكرت الكلام دة؟! وفي أمريكا؟ دة الكلام عن تيتة ممكن ياخد مليون صفحة لو هحكي عنها...كل الحكاية إني بتكلم مع سيدة عربية تعرف إني مدرسة فبتقول لي: "أبلة سيونارا....كذا كذا كذا" ولم أسمع أي كذا من الكذا، سمعت فقط "أبلة" ورجعت ٣٥ سنة مرة واحدة بآلة الزمن لقيتني قاعدة بتفرج على حماة الست نبيلة بتاعة النشوق والأخيرة تنادي على جدتي ب "أبلة"!!
وبالمناسبة، لما توفت ستي كتبت لها ما يلي، ودة كلام متصور لذكراياتي وياها:
ست البنات
قاعدة في حجر ستها
قدام صينية وكوم عجين
منديل بأوية ع الجبين
صورة وقف عندها عمري اللي فات
ستي أنا
سمنتها بلدي من الغالية
ومنقاشها سنانه حامية
وليلة العيد
نقعد وننقش في العجين
ونرص كحكه في الصواني
ثواني
ونار الفرن تنقاد له
وينزل خالي ويبرطم -زي عوايده
بصوانيها
ويرجع بيها مسويّة
ترش ستي عليها سكّر
وتعينها قبل ما تتكسّر
ستي أنا
ضحكتها تبلع الحيطان
وعيونها سقّاية وغيطان
وحنان يفيض
نقعد نحكّي بالسنين
وستي حفيظة أغاني
وآه ياني
مل " القط الأسود وجعته عينه...
والقط الأبيض ما سأل عنه..."
كانت محفظاني:
"ست البنات تضرب عل العود...
وتقول...يا سي محمود"
العود دة للأسف اتكسّر
يوم ما أنا...بدأت أكبر
ستي أنا
هاجر وقابلت ربها
راحت معاها قلبها
معطر ريحان