الأحد، 13 أغسطس 2017

في رحاب أم هاشم


لم أجد غرابة أبدا في انجذابي لفيلم "قنديل أم هاشم" للكاتب المبدع دائما، حتى وإن كان غائبا عن دنيانا، يحيى حقي، فحي السيدة زينب حيث تدور أحداث الفيلم مسقط رأسي كما أنه مسقط رأس الكاتب ذات نفسه! وبرغم العزل الذي مارسه عليّ أهلي كي لا أختلط بالشارع، إلا أن أضواء وأصداء مولد السيدة كانت تأتيني في عقر داري كل عام وتأجج مشاعري الغضة بالكثير من التساؤلات.... وكانت همهمات الأسرة عما يدور خارج جدران بيت جدتي، حيث عشت أول ثلاث سنوات من عمري وحيث كنت أقضي إجازاتي الصيفية والزيارات الأسبوعية فيما بعد، دائما ما تخبرني بأن هناك عالم خفي يجدر بي أن أكتشفه يوما ما. وبالفعل تسللت ذات يوم وقررت أن أمشي في الشارع مع جارة كنت قد تعرفت عليها بل وقررت أيضا أن أزورها في بيتها...وأتذكر جيدا العلقة الساخنة التي كانت في انتظاري...لكنني لم أيأس، وفي أعوام مراهقتي كان الأمر أسهل كثيرا...فكان مسموح لنا، أنا وأختي وقريبة لنا، أن ننزل الشارع ونمشي حتى دكان عصير القصب الذي يجاور مسجد السيدة فكنا ننخرط أكثر في الشارع ونعبره إلى ميدان السيدة ونستمتع بالنظر إلى كل ما هو هناك من دكاكين وباعة جائلين وصواني الكنافة والحلوى خلف الجدران الزجاجية وعربات تبيع "الزلابية" وأخرى تبيع الفول والفطاطري ...ومعظم الأسماء تحمل اسم "الطاهرة" فالفرن اسمه "فرن الطاهرة" والفطاطري اسمه "فطاطري الطاهرة" وهكذا...فهم في جوار السيدة...وفي الحقيقة، حتى مجرد الذكرى تبعث في النفس ألوانا من البهجة! ظلت للسيدة زينب سحر غامض يلقي بآشعته على كياني طيلة حياتي حتى أني أذكر مثلا أنني بعد نزوحي من السيدة زينب بأعوام كثيرة، كنت أعود ليصحبني خالي الفنان المهندس كي نصلي التراويح في مسجد ابن طولون ذو المئذنة الحلزونية، ليس لأنه مسجد وحسب، بل لأن خالي مغرم بتكوينه الإنشائي وتاريخه العبق...فكانت رحلات صلاة التروايح هذه تتميز بجولة داخل المسجد، بعد الصلاة، يتخذ خالي فيها دور المرشد السياحي ويلقي بالضوء على ما يسمح الوقت به من ذكر مثل النوافذ المختلفة التصميمات والمئذنة الحلزونية والبهو الذي تتوسطه النافورة...
وتزوجت وسكنت على الجانب الآخر من حي المنيرة ولم ينقطع انبهاري، فكنت زائرة معتادة لسوق السيدة أشتري منه مستلزمات البيت كل أسبوع بالرغم من أن سوق المنيرة كان أقرب ولكنه كان "خواجاتي" بالنسبة لي وليس شعبيا بما فيه الكفاية، وأذكر ضحكات بائعة الدجاج وأنا أحاول إقناعها أن تذبح كل دجاجة دون أن تراها دجاجة أخرى وأن هذه الرحمة بالحيوان أوصانا بها الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح...فكانت تحاول إرضائي بعض الوقت ثم تعود إلى ما تقوم به من ذبح جماعي!
وعندما صرت أستاذة لتدريس اللغة العربية لغير الناطقين بها، كنت كثيرا ما أقوم مع طلابي بزيارات ميدانية للسيدة زينب، تنتهي عادة بجلسة في إحدى الحارات حيث يوجد كبابجي الرفاعي أو على قهوة شعبية كي نشرب الشاي "الكوبيا" في الأكواب الزجاجية القصيرة...
كانت هذه المقدمة ضرورية لإلقاء الضوء على هويتي الثقافية التي أثرت على ارتباطي بكتابات يحيى حقي ومن ثم علاقتي بنهى حقي ابنته...فبعد أعوام من النزوح، جاء صديقي الفنان والقاريء النهم يوما من معرض الكتاب يزف إلى خبر حصوله على نسخ قديمة من إصدارات هيئة الكتاب لكتب يحيى حقي...كان أحد الكتب عن اللغة العربية "عشق الكلمة" وكنت قد بدأت تدريس العربية فكنت مهتمة جدا بأن أقرأ الكتاب...وبعد عدة محاولات، وافق صديقي أشرف على إقراضي الكتاب ثم بعد الكثير من الترجي وافق أيضا على بقية الكتب التي شرعت أقرأها بشغف بالغ...وفي إحدى طيات الكتاب مقال عن مفردات اللغة الإيطالية التي نجدها بكثرة في العامية المصرية...جذبني هذا المقال وقد قرأت أن هناك بحثا ما ذكر يحيى حقي أنه قام به بيد أنه لم يستطرد في التفاصيل...اتصلت بأشرف وحاورته في الأمر فما كان منه إلا أن قال لي...تحدثي مع ابنته في هذا الموضوع! وكنت قد قرأت عن ابنته، نهى حقي، في كتاب يحتوي على كتابات بين يحيى حقي وابنته، إلا أني لا أعرفها ولا أعرف حتى كيف يمكن أن أعرفها...بحثت عن اسمها فوجدت الكثيرات اللاتي يحملن هذا الاسم...غامرت وكتبت لإحداهن...قلت لها اسمي فلانة ولو أنت نهى حقي ابنة الكاتب يحيى حقي، يسعدني أن أتحدث معك...وكنت في غاية السعادة عندما جاءني الرد منها فكتبت لي: نعم هي أنا...اطلبيني بالتليفون ورقمي كذا. لم أكن أصدق أن الأمر بهذا اليسر لكنني عرفت بعد ذلك أن للقدر دورا كبيرا في تلك المعرفة... وبالطبع تحدثت معها على الفور وسألتها عن المقال والبحث الذي قام به والدها كمدخل للحديث، لكننا سرعان ما انتقلنا إلى أحاديث جانبية انتهت بدعوة لزيارتها. زرت نهى بعد يوم طويل بالجامعة في التجمع الخامس حيث كنت أدرس وأعمل، فاستقبلتني سيدة رقيقة وكأنها الفراشة، صغيرة وكأنها طفلة، جميلة وكأنها زهرة ...استقبلتني في بهو أنيق التفاصيل يمتليء بالقطع القيمة واللوحات البارزة ...وجلسنا في ركن ركين نحتسي قهوة فرنسية لذيذة المذاق نسرد من الذكرايات ما يملأ كتبا وكتبا....ونهى قصاصة ماهرة...تأخذ المستمع إلى أغوار جديدة برغم قدم الحكايا...يومها حكت لي حكاية جدها الأكبر لوالدتها الرجل البريطاني الذي جاء إلى مصر فأسلم وتزوج وأنجب... ومن السهل جدا أن ترى في نهى مزيج الدم البريطاني والتركي والمصري الأصيل...وحكت لي أيضا عن والدتها التي توفيت بعد شهر من ولادتها والجدة التي احتضنتها وربتها واعتنت بها طوال عمرها...وأظنه سبب استمرار نهى في كونها طفلة، فالجدة تكون أكثر حرصا من الأم نفسها. كان لي مع نهى حديث طويل تلته أحاديث ولقاءات أكثر ويكفيني شرفا أنني في أول يوم التقيت بها، غابت عني قليلا ثم أتت تحمل
الطبعات الجديدة لكل ما كتب يحيى حقي ثم أهدتهم لي بكل حب وكرم...


Image may contain: sky and outdoor

الخميس، 25 مايو 2017

ما يشتهيه الجنوبي

ما يشتهيه الجنوبي

كنت في السادسة عشر من عمري أدرس في بريطانيا وأعمل في إجازاتي الصيفية بمصر خلف مكتب استقبال في فندق شهير  في ورديات تمتد لثماني ساعات يقتلني فيها الملل والابتسامات المصطنعة، وكان في الفندق مكتبة صغيرة تحمل بعض الكتب العربية التي كنت أنتقي منها كتابا كل فترة كي أقرأه بعد ذهابي إلى البيت ، وحيث أني كنت متيمة بالأدب والشعر العربي، وقع في يدي الديوان الكامل لأشعار أمل دنقل، ورغم أني استغربت الاسم وقتها إلا أنني فور النظر بين طيات الكتاب، استوقفتني الكلمات التي تخللت كياني فجأة وبقوة حتى أني بعد شرائه مباشرة لم أنتظر حتى أنتهي من ورديتي لقرائته، بل شرعت فورا في القراءة  بنهم وتركيز بالغين حتى أنه لم يكن  يشتتني عن القراءة إلا نزلاء الفندق الذين يترددون على مكتب الاستقبال كل فينة وأخرى....كانت هذه الأعمال الكاملة في الكتاب الذي لا يفارقني ولم يفارقني منذ اشتريته....وأتذكر جيدا بكائي أثناء قراءة  "أوراق الغرفة رقم ٨" ....آخر ما كتبه دنقل!

ولأنني كنت أعيش تجربة نفسية رائعة مع دواوين دنقل، كان من الطبيعي أن أبحث عما كُتب عنه فكان ثاني كتاب أحصل عليه من نفس ذات المكتبة هو كتاب "الجنوبي" لعبلة الرويني، أرملة دنقل الحاضر الغائب. وبينما تخجل الكاتبة من وصف نفسها بمحاسن عزت وجودها في كل الأزمنة، فهي الزوجة الصديقة التي قضت أغلب سنوات زيجتها تنتقل من شقة مفروشة لأخرى إلى أن انتهت بإقامة جبرية بالمستشفى ترافق زوجا يحتضر، لم يكن من الصعب التكهن بما يدور بخلد دنقل عبر الأحداث التي تسرد بالكتاب وكأنها مرئية...فهو الجنوبي الذي لا يطمئن إلى اثنين: البحر والمرأة الكاذبة!  دنقل الذي كان عازفا عن الزواج
 عندما قابلها ككاتبة صغيرة في كافيه "ريش"  تريد الكتابة عنه، دار بينهما حوار أشبه بالـ (غلاسة) انتهى بقول دنقل: "لا تخشيني...فأنا لن أتزوجك."  ورغم أن الرويني كانت غضة صغيرة إلا أن الأنثى في داخلها ذهبت إلى بيتها تتظلل بتساؤل حائر لم ينته إلا بدنقل وهو يبيع قطعة أرض عزيزة عليه حتى يستطيع أن يتزوج الرويني...فكيف لنا ألا ندرك أن الجنوبي اطمأن لها؟

الرويني، هذه الشخصية الهادئة الخجولة الأنثوية في كل خلجاتها... التي لم تكن تحب التردد على المقاهي إلا وهي بصحبة دنقل إرضاء له لم تتردد أن تواري نفسها في كتاب كتبته هي عن زوج راحل...لا يظهر للقاريء منها إلا ظلالا من وفاء ونبل صاحب قرينها إلى المستشفى دون كلل أو ملل ثلاث سنوات كاملة...هي تقريبا عمر الزيجة نفسها التي لم تدم سوى أربع سنوات.   

فبعد مقدمة تتسم بمعالم الفلاش باك، تأخذنا الرويني إلى دهاليز شخصية دنقل، وشخصيتها أيضا، من خلال كتابات تبادلاها حتى ندرك أن شخصية دنقل التي حاول أن يغلفها بعدم الاكتراث في بداية لقائهما سرعان ما تكشفت عن إنسان بالغ الحساسية لم يستطع التعبير عن مشاعره الفياضة إليها وهو الشاعر المتمكن من مفردات الحب، فراح يكتب إليها نثرا لم يكن مغرما به!  أما الرويني ذات نفسها فتتكشف إلينا عبر كلمات دنقل فيها وهو يصفها قائلا: أيتها الفتاة البرية التي تكسو وجهها بمسحة الهدوء المنزلي الأليف.  وفي محاولة ناجحة لتلمس أغوار القاريء المحتمل لهذا الكتاب، تربط   الرويني بين دنقل ومفهومه عن الصداقة الذي أكسبته له مرارة الأيام وبين النفس البشرية التي إذا ما ضعفت فر منها الناس، ونعرف حينها ماذا كان يقصد دنقل ببيتين طالما دارا بخلدي:

رفسة من فرس 
تركت في جبيني شجا
وعلمت القلب أن يحترس

وتدفعنا الرويني دفعا إلى حب دنقلفلا نستطيع إلا أن نراه بعينيها فيبدو لنا جميلانقياصادقاوتتضاءل أمام نظرتها كل الدعاوى التي كان تقام ضد دنقل من كونه مريضا بالكبرياءقاسياحادا..لكننا لا نصدق تلك الدعاوى عندما نعلم ما عاناه من ظلم الأقربين الذي ترك في قلبه نزفا لا يطيب.  

وتتمادى الرويني فتكشف لنا الكثير عن نفسها، ربما أكثر قليلا مما تكشف لنا عن دنقل نفسه، ليتضح للقاريء أن "الجنوبي" ليس في واقع الأمر كتابا عن دنقل وحده إنما عن كليهما معا في سيرة ذاتية تحتمل الكثير من الخصوصية بين شاعر وصحفية ثم بين صديق وصديقته ثم بين زوج وزوجته إلى أن نصل إلى دور الأرملة التي قامت به الرويني وحدها دون البطل!  هي الزوجة التي لم نستطع أن تكون الزوجة/الأم أو حتى الزوجة/الزوجة كما كانت ترغب واستحوذت من قلبه على لقب طفلته المستحيلة، على حد تعبيره، مما أوجدِ نوعا من الاختلاف النفسي بينهما أظنها عانت منه.

تذكرنا الرويني غير ذات مرة بعبارة شهيرة لدنقل: الناس تفر دائما من السفن الغارقةفندرك معنى إنسانيا دفينا يلمسنا جميعا بشكل موجعيضغط على أوتار علاقتنا بمن حولنا فتتكشف حقائق الذين تركونا بمنتصف العاصفة ونلتمس لدنقل العذر فيما كان يبدو عليه من تجهم وحدة أمام الناس. 

ويداهم السرطان دنقل فلا يكف عن الكتابة ولا يكف عن التدخينالذي يجد فيه متعته الوحيدة ، كما تخبرنا الروينيوسرعان ما يتسلل الخوف إلى قلب لا يعرفه فينطق دنقل بالشهادة قبل دخوله إلي غرفة العمليات….ويبدأ سرد الرويني من هذه النقطة بخلق غصة ألم في الحلق لدى القاريء فيشعر بعذاب امرأة يموت عنها حبيبها من خلال مشاهد قاسية التصور لمرض يغتال الشاعر شيئا فشيئاوكانت الرويني على حق، فإن السموم المسماه دواء هي المسؤولة الوحيدة عن قتله، وليس السرطان.  تنقلنا الرويني من مشهد مؤلم مبكي لآخر أكثر إيلاما وبكاء ولا نملك إلا أن نستسلم لها ومعهاونمد أيدينا نحن أيضا فنساعد دنقل على نزع حقنة الجلوكوز حتى يذهب في غيبوبة الذي لا يعود! 

بعد قراءة الجنوبي، ذهبت إلى أمي أحدثها عنه وكأنني اكتشفت شيئا جديدا...فكانت أمي تعرف الرويني جيدا وكانت تعرف دنقل...قالت لي أمي: مات دنقل فكتبت الرويني عنه فكان "الجنوبي" السبب في بقائهما معا...كان لابد لي أن أقابل هذه السيدة المتميزة التي قرأت لها وقرأت عنها في "سفر أمل دنقل" أيضا.  اتصلت بجريدة أخبار الأدب وأنا في أوائل العشرينات وبرهبة كبيرة سألت عنها وعرفت طريق مكتبها فذهبت لزيارتها...كنت وقتها أكتب في مجلة تصدر باللغة الإنجليزية وكنت قد قررت أن أكتب عن دنقل وكانت هذه فرصتي في أن أقابل الرويني وهناك هذا السبب...استقبلتني في مكتبها بأخبار الأدب بحفاوة وكأنها تعرفني من قبل...كانت هناك ابتسامة كبيرة على وجهها وكنت كمن رآها من قبل خلف سطورها في "الجنوبي."...سألتها عن دنقل وسألتها عن "الجنوبي"...ثم سألتها سؤالا طالما دار بمخيلتي...ماذا كتب عنها دنقل في أشعاره...كانت تبتسم عندما قالت لي أنه أشار يوما ما إلى آخر بيتين في قصيدة "مقابلة خاصة مع ابن نوح" وقال لها إنهما لها:

بعد أن قال "لا" للسفينة
وأحب الوطن


كم تمنيت أن يطول اللقاء ولكن ما ذهبت إليه كان قد تحقق ولم أجد عذرا آخر كي أتقرب إليها بكل أسف لكن القدر كان قد خبأ لي شيئا معها...في اليوم التالي...وجدت أكثر من خمسين مكالمة من الرويني على تليفوني...كنت في الأوبرا وفقدت محفظتي هناك وكان ممن وجدها أن يبحث فيها فيجد بطاقة الرويني فيتصل بها وتعرف أنها لي فتتصل بي بنفسها كي تخبرني بمكان المحفظة...وكان هذا بداية صداقة وطيدة بيننا تشرفت فيها بمعرفة الرويني أكثر والكتابة في صفحة "شرق وغرب" بأخبار الأدب بسببها وزيارة منزلها الذي اعتقدت أنني سأجد صور دنقل تملؤه إلا أنني تيقنت أن دنقل في قلب الرويني وليس بالضرورة على الحوائط الصماء.

تجاوزت الأربعين لكني لم أتوقف عن قراءة "الجنوبي" فأدرك بالعمر ما لم أستطع إدراكه سابقا...وأفهم ماذا كان يقصد دنقل عندما كان يشتهي الحقيقة والأوجه الغائبة!


سيونارا طموم