لم أجد غرابة أبدا في انجذابي لفيلم "قنديل أم هاشم" للكاتب المبدع دائما، حتى وإن كان غائبا عن دنيانا، يحيى حقي، فحي السيدة زينب حيث تدور أحداث الفيلم مسقط رأسي كما أنه مسقط رأس الكاتب ذات نفسه! وبرغم العزل الذي مارسه عليّ أهلي كي لا أختلط بالشارع، إلا أن أضواء وأصداء مولد السيدة كانت تأتيني في عقر داري كل عام وتأجج مشاعري الغضة بالكثير من التساؤلات.... وكانت همهمات الأسرة عما يدور خارج جدران بيت جدتي، حيث عشت أول ثلاث سنوات من عمري وحيث كنت أقضي إجازاتي الصيفية والزيارات الأسبوعية فيما بعد، دائما ما تخبرني بأن هناك عالم خفي يجدر بي أن أكتشفه يوما ما. وبالفعل تسللت ذات يوم وقررت أن أمشي في الشارع مع جارة كنت قد تعرفت عليها بل وقررت أيضا أن أزورها في بيتها...وأتذكر جيدا العلقة الساخنة التي كانت في انتظاري...لكنني لم أيأس، وفي أعوام مراهقتي كان الأمر أسهل كثيرا...فكان مسموح لنا، أنا وأختي وقريبة لنا، أن ننزل الشارع ونمشي حتى دكان عصير القصب الذي يجاور مسجد السيدة فكنا ننخرط أكثر في الشارع ونعبره إلى ميدان السيدة ونستمتع بالنظر إلى كل ما هو هناك من دكاكين وباعة جائلين وصواني الكنافة والحلوى خلف الجدران الزجاجية وعربات تبيع "الزلابية" وأخرى تبيع الفول والفطاطري ...ومعظم الأسماء تحمل اسم "الطاهرة" فالفرن اسمه "فرن الطاهرة" والفطاطري اسمه "فطاطري الطاهرة" وهكذا...فهم في جوار السيدة...وفي الحقيقة، حتى مجرد الذكرى تبعث في النفس ألوانا من البهجة! ظلت للسيدة زينب سحر غامض يلقي بآشعته على كياني طيلة حياتي حتى أني أذكر مثلا أنني بعد نزوحي من السيدة زينب بأعوام كثيرة، كنت أعود ليصحبني خالي الفنان المهندس كي نصلي التراويح في مسجد ابن طولون ذو المئذنة الحلزونية، ليس لأنه مسجد وحسب، بل لأن خالي مغرم بتكوينه الإنشائي وتاريخه العبق...فكانت رحلات صلاة التروايح هذه تتميز بجولة داخل المسجد، بعد الصلاة، يتخذ خالي فيها دور المرشد السياحي ويلقي بالضوء على ما يسمح الوقت به من ذكر مثل النوافذ المختلفة التصميمات والمئذنة الحلزونية والبهو الذي تتوسطه النافورة...
وتزوجت وسكنت على الجانب الآخر من حي المنيرة ولم ينقطع انبهاري، فكنت زائرة معتادة لسوق السيدة أشتري منه مستلزمات البيت كل أسبوع بالرغم من أن سوق المنيرة كان أقرب ولكنه كان "خواجاتي" بالنسبة لي وليس شعبيا بما فيه الكفاية، وأذكر ضحكات بائعة الدجاج وأنا أحاول إقناعها أن تذبح كل دجاجة دون أن تراها دجاجة أخرى وأن هذه الرحمة بالحيوان أوصانا بها الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح...فكانت تحاول إرضائي بعض الوقت ثم تعود إلى ما تقوم به من ذبح جماعي!
وعندما صرت أستاذة لتدريس اللغة العربية لغير الناطقين بها، كنت كثيرا ما أقوم مع طلابي بزيارات ميدانية للسيدة زينب، تنتهي عادة بجلسة في إحدى الحارات حيث يوجد كبابجي الرفاعي أو على قهوة شعبية كي نشرب الشاي "الكوبيا" في الأكواب الزجاجية القصيرة...
كانت هذه المقدمة ضرورية لإلقاء الضوء على هويتي الثقافية التي أثرت على ارتباطي بكتابات يحيى حقي ومن ثم علاقتي بنهى حقي ابنته...فبعد أعوام من النزوح، جاء صديقي الفنان والقاريء النهم يوما من معرض الكتاب يزف إلى خبر حصوله على نسخ قديمة من إصدارات هيئة الكتاب لكتب يحيى حقي...كان أحد الكتب عن اللغة العربية "عشق الكلمة" وكنت قد بدأت تدريس العربية فكنت مهتمة جدا بأن أقرأ الكتاب...وبعد عدة محاولات، وافق صديقي أشرف على إقراضي الكتاب ثم بعد الكثير من الترجي وافق أيضا على بقية الكتب التي شرعت أقرأها بشغف بالغ...وفي إحدى طيات الكتاب مقال عن مفردات اللغة الإيطالية التي نجدها بكثرة في العامية المصرية...جذبني هذا المقال وقد قرأت أن هناك بحثا ما ذكر يحيى حقي أنه قام به بيد أنه لم يستطرد في التفاصيل...اتصلت بأشرف وحاورته في الأمر فما كان منه إلا أن قال لي...تحدثي مع ابنته في هذا الموضوع! وكنت قد قرأت عن ابنته، نهى حقي، في كتاب يحتوي على كتابات بين يحيى حقي وابنته، إلا أني لا أعرفها ولا أعرف حتى كيف يمكن أن أعرفها...بحثت عن اسمها فوجدت الكثيرات اللاتي يحملن هذا الاسم...غامرت وكتبت لإحداهن...قلت لها اسمي فلانة ولو أنت نهى حقي ابنة الكاتب يحيى حقي، يسعدني أن أتحدث معك...وكنت في غاية السعادة عندما جاءني الرد منها فكتبت لي: نعم هي أنا...اطلبيني بالتليفون ورقمي كذا. لم أكن أصدق أن الأمر بهذا اليسر لكنني عرفت بعد ذلك أن للقدر دورا كبيرا في تلك المعرفة... وبالطبع تحدثت معها على الفور وسألتها عن المقال والبحث الذي قام به والدها كمدخل للحديث، لكننا سرعان ما انتقلنا إلى أحاديث جانبية انتهت بدعوة لزيارتها. زرت نهى بعد يوم طويل بالجامعة في التجمع الخامس حيث كنت أدرس وأعمل، فاستقبلتني سيدة رقيقة وكأنها الفراشة، صغيرة وكأنها طفلة، جميلة وكأنها زهرة ...استقبلتني في بهو أنيق التفاصيل يمتليء بالقطع القيمة واللوحات البارزة ...وجلسنا في ركن ركين نحتسي قهوة فرنسية لذيذة المذاق نسرد من الذكرايات ما يملأ كتبا وكتبا....ونهى قصاصة ماهرة...تأخذ المستمع إلى أغوار جديدة برغم قدم الحكايا...يومها حكت لي حكاية جدها الأكبر لوالدتها الرجل البريطاني الذي جاء إلى مصر فأسلم وتزوج وأنجب... ومن السهل جدا أن ترى في نهى مزيج الدم البريطاني والتركي والمصري الأصيل...وحكت لي أيضا عن والدتها التي توفيت بعد شهر من ولادتها والجدة التي احتضنتها وربتها واعتنت بها طوال عمرها...وأظنه سبب استمرار نهى في كونها طفلة، فالجدة تكون أكثر حرصا من الأم نفسها. كان لي مع نهى حديث طويل تلته أحاديث ولقاءات أكثر ويكفيني شرفا أنني في أول يوم التقيت بها، غابت عني قليلا ثم أتت تحمل الطبعات الجديدة لكل ما كتب يحيى حقي ثم أهدتهم لي بكل حب وكرم...
