الاثنين، 2 أبريل 2018

الواقع اللغوي

كان تأثير صديقاتي اللبنانيات اللغوي طاغيا عليّ في أولي سنواتي الجامعية حيث كنت أدرس وأعيش بالسكن الجامعي في لندن، ولم ألبث أن تعلمت منهن الكثير من المفردات الشامية فرحت أتحدث بها وأنا أترنح في كثير من الأحيان بين العامية المصرية وبين العامية اللبنانية يتخللهما الكثير من المفردات الأجنبية، ولم أكن على وعيّ كامل بما يحدث للهجتي ولا كان هدف إدخال الكلمات الأجنبية وقتئذ معروفا لديّ فكان هذا هو واقعي اللغوي دون أي تحليل أو وعيّ مني حتى جاء يوم كنت أتحدث إلى أبي تليفونيا فقلت له: "ألو بابا" ..... وكان منه أن انزعج جدا ثم وبخني قائلا إننا لا نتحدث بهذه الطريقة وإن هذه اللهجة ليست لهجتنا! كانت هذه المرة الأولى التي أنتبه لواقعي اللغويّ وربما لم أتوقف عما كنت أفعله من ترنح اللهجات ولكني كنت حريصة أن أتحدث إلى أبي باللهجة التي لن يوبخني من أجلها: اللهجة المصرية!
تركت لندن ولم أتخذ دراسة اللغويات طريقا لي في أول حياتي ولكني ظللت مولعة باللهجات والمفردات الجديدة التي أتعلمها من اللهجات العربية المختلفة لدرجة أن كلمة "بالزاف" دخلت مفرداتي الشخصية وأصبحت أستخدمها بلا وعي مني لفترة من حياتي، كما دخلت أيضا عدد من المفردات الأخرى لا أستطيع إحصائها...وعندما أتحدث عن المفردات الشخصية فذلك لأن لكل منا حصيلته الخاصة من المفردات التي تخصه وقد تختلف تماما عن شخص آخر ربما يعيش في محيطه حتى لو كان الأخ أو الأخت، فالبعض منا اختار أن يستخدم "عايز" بينما البعض الآخر يستخدم "عاوز" بمعنى "أريد" والاثنان استخدامها صحيح ولا يعيب استخدام واحدة منهما المتحدث بأي شكل من الأشكال، أما سبب اختيار الشخص لإحداهما، فذلك أمر يستدعي البحث والتمحيص...وكذا الحال بالنسبة لـ "برطمان" و"بطرمان" و"جنزبيل" و"زنجبيل" وهكذا من المفردات العامية.
وما يستحق لفت النظر حقيقة هو تدارك المنهجيين من مدرسي اللغة العربية لغير الناطقين بها في خارج الوطن العربي لمحيط دراسة اللغة العربية بين أبنائها من متحدثي اللغة الأصليين (نحن)، والمحيط المعني هو كيف نتعلم عربيتنا الفصيحة؟ نحن نذهب إلى المدرسة صغارا بحصيلة مفردات وتركيبات عامية لندرس لغة قريبة منها نتحدثها ولكنها ليست هي...أي والله ليست هي. وليت الأمر ينتهي هنا ولكن أستاذ مادة اللغة العربية في جميع المراحل يستخدم العامية في الصف للحديث إلى الطلاب وأيضا للشرح، نعم....يتم شرح الفصحى بالعامية...هذا هو الواقع ويجب أن نعترف به....فماذا يحدث لأبناء اللغة من هذا المزج الغير معني لإنتاجهم اللغوي؟ يحدث ما أطلق الدكتور العالم اللغوي النابغة السعيد بدوي عليه تسمية: عامية المثقفين، وهذه العامية التي نراها في برامج التوك شوز الآن وكنا نراها قديما في برنامج العلم والإيمان وعالم البحار وحتى برنامج لغتنا الجميلة لفاروق شوشة كنا نرى فيها هذا المزج من العامية والفصحى...كما كنا ومازلنا نقرأ هذا المزج في كتابات لكتاب هم علامات في الأدب العربي....فكم من حوار عامي قرأناه ونحن نقرأ رواية لأحد أدباء الفصحى، وكان يحيى حقي يستخدم المفردات العامية عندما لا يجد من الفصحى ما يطوعه لإدراك المعنى، أما نجيب محفوظ فاستخدم التركيب العامي في الحوار إلا أنه أبقى الكلمات الفصيحة، فكانت أقرب للعامية منها للفصحى.....وقد أوجز المؤلفون هذا الواقع اللغوي في منهجية جديدة ألا وهي إدراج الفصحى والعامية في نفس الكتاب وفي نفس الصف كنوع من محاكاة ما يحدث لابن اللغة، وبالفعل تبنت كبرى الجامعات الأمريكية والأوروبية التي تدرس اللغة العربية لغير الناطقين بها هذا المنهج وحصلت على نتائج أفضل بكثير من تدريس الفصحى منفصلة عن تدريس العامية، فقد أدرك الطالب الأجنبي أنه لا غبار عليه في المزج وأنه يستطيع أن يتحدث بالعامية في الصف بينما يكتب بالفصحى في نفس الصف....
أما دراستي اللغوية عن المزج اللغوي فقد أضافت بعدا آخر لعملية الإنتاج اللغوي لم يحتوها كتاب بعد....كان علي أن أختار موضوعا للبحث لرسالة الماجستير ولم أفكر كثيرا لأنني كنت أعرف ماذا أريد بالضبط....ما الأسباب التي تستدعي النوبي المصري للخلط بين النوبية والعربية إذا كان يتحدثهما الاثنين بنفس الطلاقة؟ تراها نفس الأسباب التي تستدعي الشخص الذي يتقن العربية والإنجليزية للخلط؟ نعم، هي نفس الأسباب، وللإيضاح، إنها تتراوح بين نفس العوامل التي تؤدي للخلط اللغوي عند ثنائي اللغة.....وبهذا يسقط الادعاء على من يمزج الكلمات العربية بالأجنبية بأنه حتما ولابد يريد بهذا التباهي والتفاخر، وبرغم من أنه أحد الأسباب إلا أن هناك أسبابا أخرى لا نستطيع إغفالها ولا يساع المقال لذكرها جميعا بكل أسف....ومعنى هذا أن الخلط اللغوي بين أبناء اللغة واقع لغوي أيضا شئنا أم أبينا....فأنا لا أتحدث عما يجب أن يكون ولكني أتحدث عما هو بالفعل كائن: عدم استخدام العامة لكلمة "جزمة" واستبدالها بكلمة "شوز" له مدلول ثقافي قبل أن يكون مدلولا لغويا على سبيل المثال لا الحصر، ولذا عندما أسأل طالب اللغة العربية في الصف: عملت إيه في الويكند؟ أكون قد حاكيت الواقع الذي سيراه لا محالة إما عبر التلفاز أو زيارته الميدانية لإحدى الدول العربية!
أستطيع أن أكتب في هذا الأمر كثيرا لكنني أؤثر القليل من الكلام على الكثير، وما يعنيني حقا هو تصوير لواقع لغوي ملموس في الخارج وفي الداخل...وقبل أن أصل إلى نهاية ما أكتب، أحب أن أضيف أن استخدام الفصحى مع العامية مع بعض المفردات الأجنبية في الصف لدارس اللغة العربية ليس كل ما يحدث، فقد أدرك الباحثون والمدرسون أن أبناء العرب ممن يعيشون بالخارج أصبحوا يتحدثون عدة عاميات في نفس الوقت حسب من يقابلون من جنسيات عربية مختلفة عنهم، فإذا قابل المصري أحد الشوام سيحييه بـ "كيفك" بينما إذا رأي الشامي أحد المصريين سيقول له "ازيّك" وسيكون خلال حديثهما عدة محاولات من الطرفين لتدارك لهجة الآخر، وكنت أجد غضاضة من استخدام أكثر من عامية واحدة في صفي وأنا أدرس اللغة العربية (أنا التي أدرس الفصحى مع العامية مع الكلمات الأجنبية المدرجة على لسان العربي أجد غضاضة من استخدام أكثر من عامية في الصف!!). كان ظني أن الطلاب ربما تختلط عليهم الأمور فكنت أطلب من مساعدتي الشامية ألا تقول "شو" بدلا من "ايه" ولا "مرحبا" بدلا من "أهلا وسهلا،" لكني بعد بعض تفكير وجدت أنني على خطأ، فالطالب ليس مجبرا على مقابلة المصريين فقط، ومن حقه الاطلاع على أكثر من عامية إذا كان هذا ممكنا....ومن ثم، جعلت التفاعل مع العاميات المتاحة مفتوحا ومتاحا للجميع....
نعود بـ "فلاش باك" للمشهد الدرامي بيني وبين والدي عندما كان عمري ١٦ عاما وأقول له "ألو بابا" بدلا من "ألو يا بابا،" ربما لم يكن والدي يعرف أنه كان يشهد واقعا لغويا عكف الدارسون عليه، معلش....الله يسامحك يا بابا!

تيد هيوز




أول شاعر أغرم بيه في حياتي كان شاعر البلاط الملكي البريطاني تيد هيوز وأول قصيدة قريتها له كانت Pike ودة نوع سمك كدة اتكلم عنه الشاعر بطريقة فريدة وصلتني مدرسة الانجليزي وهي بتقرأها إلى مرحلة من مراحل الولع الشديد! بعد كدة صممت أجيب له كل أشعاره وكان عندي ١٤ سنة بس والكتاب كان غالي عليّ...أعمل ايه؟ حوشت لحد ما جبته ودة كان أول إنجاز في حياتي...قريته ميت مرة وترجمته كمان وقلدته وحللته ومخلتش حاجة ممكن تتعمل بيه غير وعملتها  
سنين طويلة عدت واشتغلت في أخبار الأدب وطلبوا مني مقال لصفحة شرق وغرب...مقال مترجم. كنت في ألمانيا في محطة الاس بان ولا مش فاكرة انهي بان فيهم لما لمحت اسمه "هيوز" على ضهر جرنال على ستاند الجرايد، قربت لقيته انجليزي ومقال كبير عنه وعن مراته سيلڤيا بلاث اللي انتهت حياتها بالانتحار...لما ترجمت المقال وجبته مصر اتنشر في ثواني وكان مدير الصفحة طاير بي لكن أنا كنت زعلانة...عشان عرفت هيوز اللي ورا الشعر اللي بحبه...عرفت عنه جانب انساني ماكنتش متصوراه. بلاث كانت وصلت لأقسى مراحل الاكتئاب بسببه وطبعا بدون إيمان فالنهاية كانت كدة. الغريب في الأمر ان مش دي آخر زوجة بتنتحر معاه مع انه وسيم وأخاذ وشخصية!! أشعار بلاث كانت رسائل مناجاة وطلب للمساعدة وهو زي ما هو "كان يمرن مخالبه على إتقان القتل والأكل!!"

أنا أغني


ارتباطي بالموسيقى لم يكن عشوائيا كما قد يتصور البعض، فقد كانت لي صولات وجولات في تلحين ما يستعصي علي حفظه من نصوص إعدادي ... وأتذكر أني لحنت قصيدة "عند الجدار" لنزار قباني (وقد تم حذفها من المقررات بعد ذلك لما تحتويه من غزل غض) و قصيدة أخرى أتذكر منها "ها هنا يا مصر مجد لم يزل يملأ صوته أصداء الليالي" فحفظتهما عن ظهر قلب.....بعد هذا الكلام الكبير، بدأت في التأليف والتلحين معا...هكذا بدون أي آلات...بالبركة!! وبعد هذه المحاولات البريئة أفتت لي إحدى النساء اللاتي كن يأتين لزيارة أمي وأنا صغيرة بأن صوتي، على حد تعبيرها، حلو....وكأني أخذت من هذه السيدة بطاقة سماح فقررت أن أدرب نفسي على الغناء....أيضا مع نفسي بدون أي إرشاد....المهم وصلت للمرحلة الجامعية وفي محاضرة ما سألتنا الأستاذة لو لم تكونوا هنا تدرسون فماذا كنتم ستفعلون....وكان أن قلت لها أني كنت سأغني فقالت لي: غني إذا الآن....فغنيت أول مقطع من "هذه ليلتي" هكذا بمنتهى البجاحة 
بعد ذلك بسنوات عديدة وكنت قد نسيت موضوع الغناء تماما...تعرفت بمجموعة أصدقاء من الفنانين...وكان أحدهم يأتي بالعود إلى المقهى حيث كنا نلتقي ويعزف ويعزف وبعد ذلك كانت تنقلب الجلسة بقدرة قادر إلى حديث عن النوتة والمقامات ومصطلحات لم أكن أعرفها مثل "الربع تون" و"العُرّب" بضم العين وتشديد الراء المفتوحة....وأشياء من هذا القبيل، وكان يبدو على كل الجالسين الاهتمام والمعرفة إلا أنا....فكان وجهي ينطق بعنوان أغنية لأم كلثوم حرفته قليلا أو كثيرا (ما علينا)...كان وجهي يظهر عليه "الجهل كله." وتملكني الغيظ ولم أعرف ماذا أفعل....فأنا فعلا لم أكن أفقه شيئا مما يقولون!!! وبعد تفكير عميق توجهت إلى كلية فنون موسيقية بالزمالك وأخذت دورة في الدراسات الحرة وكانت لي محاولات في العزف على العود (كلها باءت بالفشل بالرغم من أني اقترضت عودا من صديقي الفنان كان يصاحبني في البيت) وقيل لي هناك أن طبقة صوتي "ألتو" وبذلك فيجب علي أن أبتعد عن غناء ما لا يناسب هذه الطبقة....فالتزمت بالغناء لسيد دوريش وبعض أدوار عبد الوهاب وشاكرين مهللين!
أما في بلاد العم سام...فما أن وصلت وتواصلت مع معارفي القدامى هنا حتى دُعيت إلى مُلتقى غنائي أسبوعي للتواشيح والطقاطيق القديمة حيث يجتمع المهتمون بالغناء ليرددوا عدة تواشيح وطقاطيق تم الاتفاق على غنائها منذ أمد بعيد على عزف منفرد للعود، لفنان لبناني جميل، يصحبه الرق في بعض الأحيان....هذه المجموعة التي تتكون من عدة أجناس عربية أغلبها من المصريين اسمها "طرب." والمجموعة يغنون غناء فصيحا معربا أدهشني أنا معلمة اللغة العربية غاية الإدهاش....والحكاية كلها إن الأستاذ نبيل، خريج الكنسرفتوار في لبنان، عندما جاء إلى بوسطن من 30 سنة قرر أن يبقى على إحياء التراث بالجلسات الموسيقية التي يشتهر بها أهل الشام...وفي سنة 1997 استطاع أن يرأس مجموعات من محبي الطرب العربي تزيد وتنقص حسب الظروف....ولذلك فإن وجوه مريدو "طرب" تتغير دائما إلا من أربعة بدأوا مع نبيل ومازالوا يغنون "يااااا عذيب المرشف"، وموشحات وطقاطيق وأدوار مماثلة من عام 1997 كل أسبوع وإلى اليوم في صبر وتؤدة يحسدون عليهما! لكنني لا أستطيع أن أغني ما أجهله...وفي هذا الموشح بالذات يوجد بيت يقول:
"رق وارحم مدنف....مُستهامٌ عذري" وهكذا استخلصها الأستاذ نبيل من كتاب تراثي عتيق....لكنها تُغنى من قبل فناني الموسيقى العربية كما سُمعت من سيد دوريش على ما أظن "رق وارحم مدنف....مستهامَ العذري" وبحثت وبحثت ولا أظن أنني أستطيع أن أهضم "مُستهام العُذري" فالمعنى غير مفهوم....في الأولى نعرف معنى "مُستهام" ويتضح من الجذر علاقتها بالهيام وكذلك الحال في كلمة "عُذري" لكن "مُستهام العُذري" المغناة ليس لها معنى...وها أنا معذبة من وقت أن اتضح لي هذا الفرق ويا له من عذاب مؤرق!
ولأن الشيء بالشيء يذكر...لن أغض الطرف عن المائدة المستديرة التي تتولى كل أسرة مضيفة لمجموعة طرب تحضيرها، وبرغم من أنه يوجد اتفاق على أن تحتوي هذه المائدة على ما يطلق عليه "طعام الأصابع" أي أكلات خفيفة تؤكل على الواقف إلا أن كل أسرة مضيفة تتعمد من وقت لآخر مفاجأة المجموعة بإعداد صنف يزلزل الرغبات الدفينة مثل الكشري الذي يقدم على جانبه الورد والدقة...
وهكذا تكون محاولات الحفاظ على التراث الغنائي في بلاد العم سام ....لحظات من الزمن القديم في منزل شرقي المكونات بَيد أنه في القارة الأمريكية....ومن حين لآخر يتم دعوة أعضاء "طرب" لاعتلاء أحد المسارح في حفلات موسمية....أما موضوع "مستهام عذري" التي انقلبت بفعل الزمن إلى "مستهام العذري" فلن أتركه إلا بعد أن أصل لقراره!

أما أنا، فقد أخذتني منتهى الشجاعة وكونت فريقا من طالبات الجامعة وغنينا فوق المسرح مرتين. كما أني اشتركت مع فرقة عبرية وغنيت معهم سطرين بالعربي في حفلة أخرى ثم أخيرا اشتركت في حفل زيتون وغنيت سمرا يا سمرا أمام الحضور:

https://www.youtube.com/watch?v=fTiIrWWZZMo