الحياه مليئة بمحطات سعيدة وأخرى مؤلمة...والفطن هو من يقتنص اللحظات السعيدة من رحم النعم التي يتمتع بها فتصفو روحه ويسلم لله أمره....أما صديقي الفنان، والذي سأشير إليه كثيرا نظرا لتأثره القوي على تفكيري ومنهاج حياتي في فترة حاسمة من عمري، فهو يطلق على المحطات السعيدة لقب "المسكنات" لأن من شأنها أن تخفف عنا مراحل الألم في حياة في واقع الأمر مليئة بالألم حسب رأيه، وبذلك تكتمل دائرة الحكمة الإلهية فلا نأسى على ما فاتنا ولا نفرح بما يأتينا!
وأما ما يلي فهي محطات شخصية جدا بدأت التفكير بتسجيلها بعد أن هاجرت إلى بلاد العم سام مع زوجي وأولادنا الثلاثة .... ويشاء القدر أن يسلب عائلتي ربانها صباح يوم عيد فتتوالى الأحداث وتتضارب المشاعر ونعلق أنا والأولاد في دوامات لا حصر لها...بيد أن العسر يصحبه دائما وعد الله باليسر.... وهكذا نجد رياحين عطرية تتلقفنا كل حين ونسمات رحمة تلطف بنا في كل آن ... أما كيف حدث ما حدث ولما حدث...وأما خلفية السفر والعلاقات ....فهذا هو سر الأسرار في عالم الكبار....والله الموفق والمستعان...
أما في المدرسة التجريبية التي كنت أتجرع فيها مرار الأيام فكان العيال من المنكبين على الإجرام ينادونني بـ "صنارة" على وزن اسمي الحقيقي "سيونارا"...وبرغم ظني حينئذ أنهم يسخرون مني لنحافتي الشديدة إلا أنني اكتشفت وأنا في عقدي الثالث أن ذلك لم يكن إلا تحريف منهم لاسمي الغريب على آذانهم وهم المترعرعون في غياهب الجهل...وكان ذلك شأن المدرسين أيضا إلا أنني، حمدا لله، نسيت ما كان منهم من محاولات...
وعندما سافرت إلى بريطانيا في عمر ال١٤ عاما...دخلت الجامعة الأمريكية هناك في عمر ال١٦ عاما وإذ بي أجد أن اسمي أصبح "أمينة" بين الطلاب العرب هناك! كان هذا الاسم بسبب زعم بعض الزملاء من المغرب العربي أنني النسخة المؤنثة من زميل دراسة بيننا اسمه "أمين"....و"أمين" كان له حضور قوي والضحكة لا تفارقه...إلا أن "أمين" شخصيا لم يكن يناديني سوى بـ "حلوفة" ولهذا الاسم قصة بدأت بدخولي مطعم الجامعة ذات يوم ووقوفي مع الطلاب في طابور ممسكة بالصينية التي سيضع عليها الطاهي الطعام عندما يحين دوري...وإذا بـ "أمين" في هذا اليوم يقول لي: "ماتكليش لحم اليوم" وعندما سألته لما، كان جوابه بـ "حلوف"...ولقلة خبرتي بالمفردات ومعانيها في هذا الوقت، سألته ماذا تعني كلمة "حلوف"...ولأنها كلمة دارجة في المغرب، كان "أمين" مندهشا جدا من جهلي بها وأصبحت مثار سخرية إلى أن تركت الجامعة بعد عام من الدراسة فيها....ولأن كلمة "حلوفة" كانت جديدة علي من حيث المعني، لم أكن أشعر بوقعها ولم تكن تضايقني، بل كنا نضحك جميعا عندما يقولها "أمين".. وبالمناسبة فإن كلمة "حلوف" هي الكلمة الدارجة لكلمة "خنزير" بالمغرب العربي...وقد تعلمت معها الكثير من المفردات من الدارجة المغربية والجزائرية حتى أنني أدرجت معنى لكلمة يستخدمها المصريون في السب فقط عندما نطقها زميل مغربي فصيحة لينعت بها إحداهن فاستخدم القاف بدلا من الهمزة....وقتها فهمت المعنى الذي لو كنت قد قضيت عمري كله لم أكن لأفهمه في بلدي!
عندما تزوجت من حبي الأول، عاد اسم "بطة" للمشهد دون أي مجهود مني...كيف؟ لا أعرف حقا! كان زوجي يناديني بـ "بطة" برغم أني كنت مازلت نحيفة وبرغم من أنه كان لا يعرف شيئا عن قصة "الست بطة".... قام زوجي أيضا باختصار اسمي الشائع "سوسو" لـ "سو" وبدأ كل من حولي ينادونني بـ "سو" حتى من لم يقابله (تأثيره كان طاغيا رحمة الله عليه برغم من أنه لم يمت بعد)، إلا طبعا ماما وبابا اللذان لم ترق لهما إلا "سوسو" سابقا ولاحقا!
مر شريط ذاكرة الأسماء في حياتي عندما اتصل بي أحد نظار المدارس الأمريكية بعد أن وطئت قدمي بلاد العم سام وطلب مني أن أنطق اسمي أكثر من مرة حتى يجيد نطقه...وللتسهيل طلبت منه أن يناديني بـ "سو" فقط...رفض الرجل وقال لي: "لا...اسمك سيونارا ويجب علي أن أدعوك باسمك مهما صعب الأمر علي"
أين كان هذا الرجل من قبل؟
---------------------------------------------------------
مشهد جانبي لي وأنا أستمع لرائعة العندليب: تسلم لي وتسلم ضحكتها!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق