الاثنين، 2 أبريل 2018

أنا أغني


ارتباطي بالموسيقى لم يكن عشوائيا كما قد يتصور البعض، فقد كانت لي صولات وجولات في تلحين ما يستعصي علي حفظه من نصوص إعدادي ... وأتذكر أني لحنت قصيدة "عند الجدار" لنزار قباني (وقد تم حذفها من المقررات بعد ذلك لما تحتويه من غزل غض) و قصيدة أخرى أتذكر منها "ها هنا يا مصر مجد لم يزل يملأ صوته أصداء الليالي" فحفظتهما عن ظهر قلب.....بعد هذا الكلام الكبير، بدأت في التأليف والتلحين معا...هكذا بدون أي آلات...بالبركة!! وبعد هذه المحاولات البريئة أفتت لي إحدى النساء اللاتي كن يأتين لزيارة أمي وأنا صغيرة بأن صوتي، على حد تعبيرها، حلو....وكأني أخذت من هذه السيدة بطاقة سماح فقررت أن أدرب نفسي على الغناء....أيضا مع نفسي بدون أي إرشاد....المهم وصلت للمرحلة الجامعية وفي محاضرة ما سألتنا الأستاذة لو لم تكونوا هنا تدرسون فماذا كنتم ستفعلون....وكان أن قلت لها أني كنت سأغني فقالت لي: غني إذا الآن....فغنيت أول مقطع من "هذه ليلتي" هكذا بمنتهى البجاحة 
بعد ذلك بسنوات عديدة وكنت قد نسيت موضوع الغناء تماما...تعرفت بمجموعة أصدقاء من الفنانين...وكان أحدهم يأتي بالعود إلى المقهى حيث كنا نلتقي ويعزف ويعزف وبعد ذلك كانت تنقلب الجلسة بقدرة قادر إلى حديث عن النوتة والمقامات ومصطلحات لم أكن أعرفها مثل "الربع تون" و"العُرّب" بضم العين وتشديد الراء المفتوحة....وأشياء من هذا القبيل، وكان يبدو على كل الجالسين الاهتمام والمعرفة إلا أنا....فكان وجهي ينطق بعنوان أغنية لأم كلثوم حرفته قليلا أو كثيرا (ما علينا)...كان وجهي يظهر عليه "الجهل كله." وتملكني الغيظ ولم أعرف ماذا أفعل....فأنا فعلا لم أكن أفقه شيئا مما يقولون!!! وبعد تفكير عميق توجهت إلى كلية فنون موسيقية بالزمالك وأخذت دورة في الدراسات الحرة وكانت لي محاولات في العزف على العود (كلها باءت بالفشل بالرغم من أني اقترضت عودا من صديقي الفنان كان يصاحبني في البيت) وقيل لي هناك أن طبقة صوتي "ألتو" وبذلك فيجب علي أن أبتعد عن غناء ما لا يناسب هذه الطبقة....فالتزمت بالغناء لسيد دوريش وبعض أدوار عبد الوهاب وشاكرين مهللين!
أما في بلاد العم سام...فما أن وصلت وتواصلت مع معارفي القدامى هنا حتى دُعيت إلى مُلتقى غنائي أسبوعي للتواشيح والطقاطيق القديمة حيث يجتمع المهتمون بالغناء ليرددوا عدة تواشيح وطقاطيق تم الاتفاق على غنائها منذ أمد بعيد على عزف منفرد للعود، لفنان لبناني جميل، يصحبه الرق في بعض الأحيان....هذه المجموعة التي تتكون من عدة أجناس عربية أغلبها من المصريين اسمها "طرب." والمجموعة يغنون غناء فصيحا معربا أدهشني أنا معلمة اللغة العربية غاية الإدهاش....والحكاية كلها إن الأستاذ نبيل، خريج الكنسرفتوار في لبنان، عندما جاء إلى بوسطن من 30 سنة قرر أن يبقى على إحياء التراث بالجلسات الموسيقية التي يشتهر بها أهل الشام...وفي سنة 1997 استطاع أن يرأس مجموعات من محبي الطرب العربي تزيد وتنقص حسب الظروف....ولذلك فإن وجوه مريدو "طرب" تتغير دائما إلا من أربعة بدأوا مع نبيل ومازالوا يغنون "يااااا عذيب المرشف"، وموشحات وطقاطيق وأدوار مماثلة من عام 1997 كل أسبوع وإلى اليوم في صبر وتؤدة يحسدون عليهما! لكنني لا أستطيع أن أغني ما أجهله...وفي هذا الموشح بالذات يوجد بيت يقول:
"رق وارحم مدنف....مُستهامٌ عذري" وهكذا استخلصها الأستاذ نبيل من كتاب تراثي عتيق....لكنها تُغنى من قبل فناني الموسيقى العربية كما سُمعت من سيد دوريش على ما أظن "رق وارحم مدنف....مستهامَ العذري" وبحثت وبحثت ولا أظن أنني أستطيع أن أهضم "مُستهام العُذري" فالمعنى غير مفهوم....في الأولى نعرف معنى "مُستهام" ويتضح من الجذر علاقتها بالهيام وكذلك الحال في كلمة "عُذري" لكن "مُستهام العُذري" المغناة ليس لها معنى...وها أنا معذبة من وقت أن اتضح لي هذا الفرق ويا له من عذاب مؤرق!
ولأن الشيء بالشيء يذكر...لن أغض الطرف عن المائدة المستديرة التي تتولى كل أسرة مضيفة لمجموعة طرب تحضيرها، وبرغم من أنه يوجد اتفاق على أن تحتوي هذه المائدة على ما يطلق عليه "طعام الأصابع" أي أكلات خفيفة تؤكل على الواقف إلا أن كل أسرة مضيفة تتعمد من وقت لآخر مفاجأة المجموعة بإعداد صنف يزلزل الرغبات الدفينة مثل الكشري الذي يقدم على جانبه الورد والدقة...
وهكذا تكون محاولات الحفاظ على التراث الغنائي في بلاد العم سام ....لحظات من الزمن القديم في منزل شرقي المكونات بَيد أنه في القارة الأمريكية....ومن حين لآخر يتم دعوة أعضاء "طرب" لاعتلاء أحد المسارح في حفلات موسمية....أما موضوع "مستهام عذري" التي انقلبت بفعل الزمن إلى "مستهام العذري" فلن أتركه إلا بعد أن أصل لقراره!

أما أنا، فقد أخذتني منتهى الشجاعة وكونت فريقا من طالبات الجامعة وغنينا فوق المسرح مرتين. كما أني اشتركت مع فرقة عبرية وغنيت معهم سطرين بالعربي في حفلة أخرى ثم أخيرا اشتركت في حفل زيتون وغنيت سمرا يا سمرا أمام الحضور:

https://www.youtube.com/watch?v=fTiIrWWZZMo




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق