الأحد، 10 يونيو 2018

نويبع


نويبع
عشت في نويبع فترات متقطعة لدرجة إني كنت بدأت بالفعل الانتقال الكلي إلى هناك من مدارس وبيت وعمل وخلافه...
نويبع بلد تتعلم فيها إن السمك اسمه "حوت"مهما صغر حجمه والفعل اصطاد/ يصطاد مش موجود في المفردات النويبعية بيحل محلها حوّت/ يحوّت! تاكل في نويبع أطعم سمك في مصر معمول بخلطة تشمل طحن البصل والتوم والكمون والتوابل ونفس الخلطة تضاف للرز ويتقدم الاكل في البيوت في صينية كبيرة كدة تملى العين والخاطر ليس للمعالق فيها مكان والأكل بالايد بيدي الأكل حلاوة وطلاوة 😉
اتعلمت في نويبع إزاي استمتع مع صديقاتي البدويات بدون وجود الأزواج والخروجة الأهم عندهم هي الذهاب لشاطئ اسمه "المحاش" ونزول البحر بجميع أنواع الملابس إلا لباس البحر (اللي كنت فاكرة إني مقدرش أعوم من غيره) والطبخ على الشط في الرمل كدة باستخدام أعواد الحطب وحلة كبيرة يدخل فيها سمك مملح مقدد كدة (بينشفوه في البيوت) مع الرز والبطاطس والطماطم والله يا "يُومة" (ماما عندنا) على أكلك...
في نويبع انت والبحر وبس متقوليش بقى عايز آكل خضار إلا لما يبجي من العريش مرة في الأسبوع ولا آكل لحمة إلا لما يكون فيه عرس ولا فاكهة ولا حلويات ولا الكلام الفارغ دة...في نويبع تتعلم تعيش على القد ضمن خيارات قليلة للغاية!
في نويبع الجمل يتمشى براحته في الطرق وانت تاخد بالك من الطريق ومنه طبعا...الخبز تعمله الستات في البيوت على الصاجة الخبز كل وجبة طازا واللي شبه بتاعنا تعمله العرايشية...
في العيد كل الستات تلبس ملابس بيلبسوها شخصيات ألف ليلة وليلة بس بيبقوا في غاية الأناقة والتميز....كل الناس (كلهم) يتزاورون ويفضلوا يروحوا من بيت لبيت أما شباب قبيلة "الترابين" يروحوا عند قبيلة أخرى "الموذينة" يعاكسوا القمامير هناك لأن نساء وبنات "الترابين" ممنوعات من الخروج إلا في حمى الرجال ولو خرجن لوحدهن في نزهة أو إلى "المحاش" وخلافه وحد اتعرض لهن يدفع غرامة ويتبهدل...
البدو في نويبع مجتمع محافظ لكن مفرفش إشي لبس ألف ليلة وإشي أغاني خليجية وإشي سباحة نسويّة بس الست هناك متديش نمرتها لغريب ولا حتى ليّ وما تسوقش عربية ولا تخرج تقف حتى قدام بيتها ولا ينفع يكون عندها فيس بوك ولا حتى تويتر!!! طبعا أنا بروح أعفّر بالفور باي فور وأعمل add لمعارفي من البدو الرجال وأفضل راحة وجاية من عند البقال طول اليوم وأوّقف عربية الخضار اللي جاية من العريش بنفسي وأدوّر في الشوارع على فردة جزمتي اللي خدها الكلب من قدام البيت...لأ وكمان لما حد من العيال يضايقني أدخل على مقعد الرجال اشتكي!
كان صعب جدا علىّ أعيش كبدوية من الترابين ولو إنها تجربة مثيرة بفكر فيها كتير 😉

الاثنين، 4 يونيو 2018

الفيوم

قرية تونس- الفيوم

من وأنا صغيرة اسم الفيوم بيرن في ودني ...وعرفت لما كبرت إن أبويا من مواليد الفيوم وإنه كان يحب يروح هناك كتير وإنه عنده حتة أرض هناك هيدهاني لما أكبر (ضحكوا علية وبعتها بتمن بخس واشتريت مكانها😰😰😰😰😰 بتجاز!!)...المهم بعد ما بعتها اكتشفت الفيوم في قرية تونس...
القرية دي تكاد أن تسمى قرية إڤيلين ودي الست السويسرية اللي كانت متجوزة الشاعر سيد حجاب وطلعت من الجوازة ببيت صغير هناك وقررت أن تتمدد وتشتري كل البيوت اللي قدامها ووراها وبدأت تنشر فن صنعة الفخار الحديث (مش البلدي بتاع القلة والزير) وتلوينه بين أهالي القرية كلهم لحد ما قامت القرية سياحيا وبقت أرضها من أغلى الأراضي بسبب إڤيلين!
وإڤيلين ست لطيفة من القطاع الفرنسي بسويسرا دايما تناقشني في موضوع الحجاب لأنها شايفاه مش عاجبها وأنا دايما بغلس عليها بس بننهي الحوار بضحكة ...إلا بقى لو الحوار على محاولة لتخفيض سعر منتج من منتجات مدرسة الفخار الخاصة بيها..هنا بقى تتزرزر ونخاصم بعض كام شهر!!
تونس مليانة فنانين تشكيليين زي محمد عبلة اللي عامل متحف وبيت تحفة هناك وناس أغنيا تانية كتير غير الفنانين انضموا لحياة القرية لكن بطريقتهم الخاصة يعني نقلا بڤلل وقصور وحاجات من دي (انضمام انضمام يعني مش أي كلام).

في تونس ممكن نركب حصان ونقعد على البيسين ونتعلم فخار (ونمسح ايدينا بالوايبس بعد كدة) ونعيش فافي لكن أنا بحب أروح عند أم كريم أشوفها جابت كام بطة وتضحك علية وتدبح لي الصغيرة فيهم عشان هي عايزة الكبيرة...وبحب أخد منها ملح الجبل اللي بتطحنه مع التوابل العطرة من الكمون والشطة ويبقى أحلى ملح ... وأحب أخد منها الكزبرة الناشفة وهي لسة لماها من الغيط وريحتها تبقى مفحفحة كدة..بحب كمان أدور على البيوت ألم البيض (ودي كلمة لا يصح قولها في الفيوم وتعتبر عيب ويستعيضوا عنها بكلمة تانية مش فاكرها إنما هي شبه الدح)....بحب كمان فراخ أم عمرو البسبس وومان الفيومية اللي بتتباهى إنها وقفت قدام الراجل الفلاني وحلفت بالطلاق!!!!

في تونس بحب ألف نفس اللفة كل مرة على كل مدارس الفخار عشان أشتري أطباق كانوا زمان بيستخدموها للزينة لحد ما في يوم قلت لإڤيلين اعملي لي طباق للأكل (ودة من سنين كتير) ومن ساعتها كل المدارس بقت تعمل طباق للأكل بس شكلها تحفة وأكواب الشاي ذات الأوان اللبنية والزهرية...

وإڤيلين ست جدعة بتقف جنب أهالي القرية في محنهم وتروح الأقسام لو طلبت ومرة عزمتني أعوم عندها في البيسين (ودي قمة الجدعنة 😉)

في تونس لازم تقابل مصطفى لأنه ببساطة "نبيل القرية" ...مصطفى صاحب أحلى بيچو بييجي ياخدنا من القاهرة ويودينا تونس ويرجعنا كمان، ومصطفى مواعيده زي السيف وطريقته بتحسسني إنه جاي من زمن تاني كان فيه أكيد "لورد"!

مش عايزة بقى أجَري ريقكم وأكلمكم عن الكحك البلدي في العيد المختلف تماماً عن كحكنا ولا أقول لكم على طبيخ أم عبد الله وصوانيها اللي بتفضل حلاوته في بقنا من الزيارة للزيارة لكن هقولكم على أنواع البط التلاتة المنتشرة في الفيوم...ودة في الحلقة الجاية اللي عنوانها "التلات بطات"...لو حد يحب يشارك بالتخمين يالا الميكروفون معاك 😉




البط طلع أنواع يا جدعان! أنا كنت كل ما اروح الفيوم اجيب بط رخيص كدة ولحمه بيستوي بسرعة والموضوع دة كان مكيفني أوي لحد ما عرفت إنه بط أبيض بكين 😩! وقتها قلت لأ، أنا بت بلدي وماكلش غير البلدي وهنا بقى وقعت فريسة لميزانية أكبر عشان أبقى قال ايه باكل بط بلدي....بس فيه بطة مدملكة كدة عدت يوم قصادي حيرتني، لا هي بيضا ولا هي بلدي وسعرها طالع في العلالي...كانت المجرمة بطة مسكوفي!

أوسم راجل في القرية اسمه علاء...وهو جوز أم عبد الله صاحبتي على فكرة، وعلاء دايما ياخدني نلف نفس اللفة على مدارس الفخار اللي بتشمل مدرسة راوية (وراوية دي كانت بنت غلبانة أبوها حدف عليها ميّة سخنة حرقت جزء من وشها وجسمها بس إڤيلين اتبنتها وعلمتها تعمل فخار وراوية اتفرنجت وبقت تعمل حواجبها وشعرها وتحط مانيكير وطلعت معارض في إيطاليا وغيرها واتجوزت وخلفت وكملت بقية حياتها كفنانة فنانة يعني) ومدرسة إبراهيم تلميذ إڤيلين برضه وغيرهم كتير لحد ما نوصل مدرسة إڤيلين نتخانق معاها عشان الأسعار ونقوم معاودين 😃.

علاء طبعا بيجيب لي العسل اللي فيه حاجات بتعوم على وشه من منحل واحد صاحبه أقوله دي زبالة يقول لا دة الإكسترا بتاع العسل، يا عم دي دبانة ميتة، يقول لي بس مسكرة!

علاء مؤخرا بقى يشرب اسبريسو، الفنان الكبير والمصور العالمي صاحب أحلى بيت في تونس خالد الدش أهداه كنكة الاسبريسو ومحدش يقدر يكلمه دلوقت ...طب اعزم بكباية يا عم علاء؟

لما بروح تونس لازم ألف على بيوت الفلاحين ألم بيض وزي ما قلت قبل كدة كلمة بيض دي عيب ومايصحش ولازم نستعوضها بكلمة "دحي" يا إما ستات القرية ينكتوا معايا بكلام خارج ما بفهمهوش ويفضلوا يضحكوا وأنا أبقى عاملة كدة 😕!!!

العبرة...عارف الناس اللي بيبقوا قاعدين على الطريق للفيوم يبيعوا سمك وبط دول؟! وحشين ماتجيبش منهم 😃.
#بنت_بطوطة

الأحد، 3 يونيو 2018

النوبة




النوبة الجديدة
الجزء الأول
- يا عم أشرف أنا معرفش مين النوبيين أصلا تقول لي اعملي الماچستير بتاعك عن النوبة؟! 
-ما أنا هقعدك مع ماما! 
-ماما نوبية؟
-لا ماما مش نوبية، احنا عرب عليقات 
-يا لهويييييييي
دة كان الحوار اللي دار بيني وبين صديق الدرب والكفاح الفنان الكبير أشرف عبد العظيم لما كنت بسأله عن أفكار لرسالة الماچستير اللي كان لازم اكتبها كي احصل على درجتي العلمية الأولى في المجال....قد ايه كنت جاهلة وعبيطة...
المشهد التاني كان بعدها بسنين كتير، كنت خلصت الماچستير الأولاني وكتبت الرسالة عن النوبيين المقيمين في القاهرة لكن لما جيت أعمل الرسالة للماچستير التاني، قررت إني هسافر وادي جهنم (ودة كان اسم المكان اللي بنوا فيه النوبة الجديدة أو نوبة التهجير) مهما حصل...وهنا بيبدأ المشهد التاني وأنا في قطر النوم المتجه لأسوان بعد ما شوية صيّع شالوا القضبان في محطة قبل سوهاج بشوية (عشان بت عبيطة هربت مع حبيبها أو اللي فاكراه حبيبها وأهل البت عايزين الحكومة ترجعها هأوووو) وسابوني متعلقة في القطر لمدة ٨ ساعات 😭
لما قررت انزل من القطر عشان اركب ميكروباص لأسوان مكتظ بالناس مع اتنين من أطفالي لمدة ٦ ساعات من مطرح وقوف القطر لأسوان في شهر أغسطس، كان بسبب العيال المجرمين اللي قعدوا يحدفوا طوب ع القطر اللي واقف وأكيد برضه بسبب فقدان الأمل في إن القطر يتحرك لا للأمام ولا للخلف....وكان!
من أسوان ركبت للنوبة، بس مش النوبة الحلوة دي بتاعة الصور والخواجات، نوبة التهجير، ولما وصلت ابتدت حكاية حياتي...
الجزء التاني
قرية أبو سمبل في نوبة التهجير
قبل ما أروح النوبة كنت بدأت دورس الرطان بتاع الفادكات....والرطان دة اسم اللغة واعتقد إن المصريين هم اللي سموا اللغة النوبية بالاسم دة لأنهم سمعوا النوبيين بيتكلموا لغة مش مفهومة عندهم فقالوا عليهم بيرطنوا....
وقبل ما ابدأ اتكلم عن رحلتي إلى النوبة وبحكم تخصصي في الثقافة النوبية وبصفتي كمان لُغوية linguist يعني، لازم ناخد فكرة الأول عن النوبيين. الجماعة الحلوين دول كانوا قديما يسكنون الأرض الغارقة تحت بحيرة ناصر دلوقت، ودي طبعا كانت أرض لوز، جنة، نيل وميّة، مراكب جاية من السودان محملة بالبضائع...منقسمين لقبيلتين الفاديكات (ودول بيعتقدوا إنهم النوبيين الأصليين سليلي الملوك وكدة ودول كانوا يسكنون الجنوب) والكنوز أو المتّوكيين (ودول تبع حاكم كان يسمى كنز الدولة وكان من ذوي السلطة وكدة) وكانوا يسكنون الشمال والقبيلتين دول لغاتهم ولو إن فيها متشابهات إلا إنها مختلفة...سكن جوارهم وخد منهم وتزاوج معهم بعض القبائل العربية الأخرى القادمة من الجزيرة العربية زي العرب العليقات، المنتمون أصلا لبني عقيل والجعافرة، بس القبائل الأخرى ليس لديها لغات سوى العربية. النوبيون الأوائل من ساكني النوبة القديمة ولحد يومنا هذا كبار السن ممن نزحن إلى النوبة الجديدة لا يتحدثون العربية وإذا تحدثوها فبلكنة واللكنة يا أفاضل معناها إن المتحدث يتقن أكتر من لغة فالتريقة عليهم في الأفلام الهابطة كانت مجرد قصر ديل وجهل بيّن.
سافرنا عند الفاديكات في قرية أبو سمبل وبدأت المغامرات...
كنت "جورباتيّة"وعارفة إنهم هيطلقوا علي هذا اللقب وأنا وسطهم وعارفة إني بيجري في عروقي دم مخلط متعدد الأجناس مش دم صافي زيهم...عارفة لوني وملامحي هيكشفوني...بس عشت معاهم في بيوتهم...كلت أكلهم، نمت في فرشتهم وشربت من ميّة زيرهم ولبست الزِّي الرسمي بتاعهم....مين عارفة اسمه ايه؟؟
الجزء التالت
الزي الرسمي
لما جيت أسافر النوبة كنت واخدة معايا جلاليب خروج (قال يعني هحاكي المجتمع هناك) وكنت فاكرة إني تمام أوي كدة هناك...لابسة بقى ومتشيكة واجي خارجة من البيت....وقفتني ست البيت وقالت: هتخرجي كدة؟! بصوا بناتها حولية لبعضهم بابتسامة لا تخلو من الاستنكار وقالوا: لازم تلبسي الچرچار!
وأنا اللي كنت فاكرة نفسي بقى ايه قلت بس تلاقي الچرچار دة حاجة ساترة بقى زي الملس ولا العبايات التقيلة....طلع بتاع كدة كله دانتيلا مفرغة لا بيستر ولا بيداري تلبسه فوق جلابية النوم وتنزل الشارع كدة عادي تبقى في السليم....لأ له لازمة بصحيح 😂. سمعت على هامش الموضوع دة ان الحكومة نزلت قرار مخصوص خاص بالمدارس في النوبة يمنع المدرسات في المدارس من لبس الچرچار (وهنا افتكرت الطلاب اللي كانو ينزلوا المحاضرة بالشبشب والبيچاما في الجامعة لأنهم ساكنين في الدور اللي فوق القاعة)! تتمشى بقى ستات القرية بالچرچارات بتاعتها ساعة المغربية وكل واحدة بقى وشطارتها في شياكة چرچارها وتمشي الست منهم والبتاع دة بيهفهف وراها يا جماله ....
الحياه في النوبة هادية ومريحة للأعصاب برغم الحزن اللي جواهم...قعدتي على الحصيرة قدام البيت بكوباية الشاي في عز حر أغسطس في منطقة كان اسمها وادي جهنم كانت بالدنيا واللي فيها...منتهى الصفاء والبراءة والأصالة من الجدة اللي مصممة تتكلم نوبي مع أحفاد بيفهموا ومايتكلموش وبنت الحفيدة اللي الجدة مسمياها نادرين....(نادرين العودة للنوبة القديمة)....
هناك تحس بمنتهى الأمان بجد منتهاه وبرغم اني غريبة وانحطيت مع ناس لا شفتهم قبل كدة ولا شافوني إلا إني كنت واحدة منهم بجد وكانوا بيعاملوني كدة فعلا...الضهر لازم الكل ينام هربا من قسوة الحرارة...وبالليل الستات تفرش قدام البيوت والرجالة تروح القهوة أو مركز الشباب...ناس تيجي تاخدني اشوف اليبي الجديد لأم لسة والدة والعادة هناك إن الزائر لازم يحطوله نوع من أنواع الكلونيا باينه الدلكة (اسمه ايه البتاع دة يا كوثر؟)...يا عم والنبي خلاص...يا عم والله بستحرم أحط ريحة...غصبن عني يتحط لي....
الحتة اليتيمة اللي فيها مرجيحة يتيمة بيعتبروها ملاهي واسمها "كراميش" فضل ابني يحلم باللي ممكن يلاقيه في الكراميش دي لحد ما رحنا ولقيناها مقفولة للإصلاحات هع هع هع!!!
معظم رجالة أبو سمبل في الخليج ودة كان حال معظم رجال النوبة من قديم الزمان...الراجل دايما ينزح للعمل برا النوبة ويسيب الست تشيل الليلة...وعشان كدة الستات في النوبة ستات من نوع خاص...الست صلبة قلبها زي قلب الأسد معندهاش هيام ودلع وكلام من دة من قسوة الأيام عليها، عندها مسؤولية كبيرة وهي تربية الأبناء ودة الشغل الشاغل في الحياه وعليها السلام.
القوانين للجواز والشبكة والجهاز تسن في القرية في أماكن مخصصة لاجتماع كبراء للقرية عشان مفيش راجل نوبي يعلي على أخوه في مهر أو شبكة...التعريفة لازم تكون موحدة، ودة قمة في التنظيم المجتمعي...
الجزء الرابع
الدخان
-يا بت محدش يعمل دخان في الصيف!
-لا أنا مصممة....لازم أعمل....لازم أعيش التجربة لحد الآخر
وتيجي معايا أم نادرين عند الست اللي بتعمل الدخان بعد كام بيت وراهم....ونبقى ساعات! والدخان دة عبارة عن رسم بالحنة على أجزاء من الجسم والقدمين وبعد ما يتساب يجف تتم إزالة الحنة عن طريق الفرك بالكامل....بعد كدة يشعل الحطب لحد ما يطلع دخان من النار الموهوجة وتُخْمد النار وتنزل صاحبة السعادة مع الدخان تحت بطانية صوف تقيلة عشان يتمكن من الجسم ولا يروح شمال ولا يمين....تخرج الست بعد كدة والحنة رسمها تقيل وثابت ولونها قوى يفضل شهور بس بصراحة ريحتها زي ما تكون خارجة من حريقة! ولأن الدخان دة أساسي في الأعراس وكدة لازم الست من دول تدهن جسمها بمجموعة من الزيوت العطرية اسمها الخُمرة...ووقتها بس تبقى ريحة الدخان في الدوبان 😄
طبعا في حالتي ماكنش فيه خُمرة، وطبعا كدت أن أذوب من حرارة أغسطس والنار اللي قعدت فيها بس كنت خارجة من بيت الست في غاااااية السعادة زي اللي خارجة من حريقة صحيح بس اللي خارجة وهي سايبة الدنيا وراها تولع...احساس غريب الدخان دة وتجربة مثيرة!
الجزء الخامس
الأبريه
أول ما وصلت النوبة في رحلتي الأولى وبعد نص ساعة من استضافة ست البيت لينا، اعتذرت قائلة: اسيبكم ترتاحوا عشان أروح لجارتي نعمل الأبريه!
أبريه ! الأبريه دة يطلع ايه؟
هي طبعا سابتني في حيرة وراحت لجارتها بس أنا طلبت منها في اليوم التاني تاخدني معاها وفهمت إن الأبريه دة بيتعمل من قبل رمضان بشهر استعدادا له، وإن عشان صعب يقوم به بيت لوحده، تشترك كل الجارات في عمل الأبريه عند فلانة، وبعدين كلهم مع فلانة يروحوا يعملوا الأبريه عند علانة وهكذا دواليك. والأبريه دة عبارة عن رقائق هشة جدا من عجين مختمر تمام الاختمار، بعد الخبز على الصاجة توضع الرقائق فوق بعضها ويبدأوا يكسروها للاستخدام، وفي رمضان يضاف الأبريه لعصير الليمون أو الميّة بسكر أو أي عصير ويؤكل بكثرة لتحسين الهضم، وتتم معاملة الأبريه زي الدهب بالظبط...مثال صغير: ست البيت اللي كنت فيه كانت مخبية الأبريه عن بناتها في بيت تاني خوفا منها إنهم يخلصوه قبل رمضان...مشكلة كبيرة!
طبعا مافتنيش الموضوع دة والأبريه بقى على سفرتي كل رمضان...في الأول كان صعب على جوزي تقبله بس بعد كدة بقى يسأل عليه 😂
أما الأكلات التانية اللي بتشتهر بيها النوبة هي العصيدة اللي بتتعمل من عيش الدوكة (عيش على الصاج) والزبادي والعسل على هيئة طبقات، والإتر اللي بيتعمل من أي ورقيات زي الملوخية أو السبانخ وأثناء الطهي يتفرك بآداة اسمها المفراك لا يخلو منها أي بيت نوبي ودي بقى بتخرط الملوخية بس مش قبل طبخها، أثناء طبخها...وأهم حاجة إن عيش الدوكة بيتخبز تقريبا مع كل وجبة في كل بيت طازا...ونظام الأكل للضيوف الغربا (الجوربتية من أمثالي) إن الأكل يتحط على الترابيزة أو المكان المخصص والضيوف تتساب لوحدها تاكل 😕!!! دة كان غريب جدا بالنسبة لي وكنت محرجة وتقريبا عبرتلهم عن شعوري...فقرروا يعتبروني زيي زي كل الجيران والضيوف من القرية وهنا الوضع اختلف بوضع الطعام على الأرض بقى في صينية كبيرة وأي حد موجود يمد ايده وياكل في صحن واحد كبير للكل 😊
الخضار والفاكهة في النوبة نادر جدا ودة لأن السوق مرة واحدة في الأسبوع بس لمعظم القرى وإلا تضطر الست من دول إنها تروح قرية تانية ودة صعب، والندرة دي بتخلي التعامل مع الأكل بحرص وبيصعب الحياه هناك أكتر...
لما سبتهم آخر مرة سبت قلبي عندهم ووعدتهم باللقاء وكنت فعلا هسافر لما الجدة تعبت جدا لكن وافتها المنية قبل معاد سفري بكام يوم 😢
الجزء السادس
النوبكمان وكمان
أكيد في ناس ادوّشت وأنا بتكلم عن النوبة كتير بس أعمل ايه، روحي متعلقة بيها وصحابي النوبيين أكتر من الجوربتية...
المهم....ماقدرتش أقفل باب النوبة من غير ما أقول إن كوني جورباتية صعب علي الدراسة بشكل قاسي، وعم جدكاب وقفني قدامه مرة غسلني وقال لي: تعرفي إيه إنتي عن معاناة النوبيين عشان تكتبي عنهم؟! روحي شوفيلك حاجة تانية اعمليها! وأثناء كتابة الرسالة الأولى رفض النوبيون المعنيون بملء الاستبيان المشاركة وبقيت أتحايل عليهم وألف على كل جمعية لقرية نوبية اقدر أوصل لها (لكل قرية من ال ٤١ قرية نوبية جمعية تحمل اسمها في القاهرة) وبعد كل المحاولات كلمت أشرف صديقي وعيطت بس حتى أشرف وقتها ماقدرش يساعدني...وبعد وصولي لليأس التام ظهرت لي كوكي حبيبتي اللي عملت معايا fair deal بإني أساعدها تلاقي دراسات في مكتبة الجامعة على إنها تتولى موضوع ملء الاستبيانات وفعلا دة اللي حصل 😊😀...وعشان كدة كوكي حبيبتي بقت الصديقة المتوكية اللي معملتش على قبيلتها رسالتي التانية 😉
في جمعية أبو سمبل بالقاهرة، عابدين بالتحديد، قابلت زعيمة الزعيمات السيدة مديحة محيي الدين شريف بنت الفنان الراحل محيي الدين شريف مصمم شخصية بكار وهي اللي سهلت لي عملية المعيشة في النوبة فيما بعد، أخدت دروس اللغة النوبية على يد الأستاذ شريف نور ودة كان عامل مهم جدا في دراستي اللغوية، وقابلت الأستاذ الكبير مصطفى جاسر أكتر من مرة نتحادث ونتناقش في الثقافة النوبية، وفي النوبة نفسها قابلت د أحمد سوكارنو الأستاذ الدكتور في علم اللغويات بجامعة جنوب الوادي...وقبلهم قابلت مجموعة عريضة من المثقفين والكتاب النوبيين زي يحيى مختار كاتب "مرافيء الروح" ومحيي الدين صالح كاتب لأول كتاب باللغة النوبية منذ قرون (اللغة النوبية كلغة مكتوبة توقف استخدامها من قرون فعلا)...وكانت القاعدة بتحلو دايما على كرسي خشب في قهوة جمب عمارة استراند قدام كوباية شاي إزاز بتعوم فيها مراكب الذاكرة لسنين بعيدة قبل ما تغرق النوبة الحقيقية!
وبعد حصولي على الماچستير التاني وبعد سنين من معرفة أشرف صديق الكفاح والنجاح، قرر في يوم إني أستاهل هدية كبيرة...فجاب لي كتاب "الشمندورة" وقال لي: أنا عارف دلوقت بس ممكن تقريه وتقدريه!

الاثنين، 2 أبريل 2018

الواقع اللغوي

كان تأثير صديقاتي اللبنانيات اللغوي طاغيا عليّ في أولي سنواتي الجامعية حيث كنت أدرس وأعيش بالسكن الجامعي في لندن، ولم ألبث أن تعلمت منهن الكثير من المفردات الشامية فرحت أتحدث بها وأنا أترنح في كثير من الأحيان بين العامية المصرية وبين العامية اللبنانية يتخللهما الكثير من المفردات الأجنبية، ولم أكن على وعيّ كامل بما يحدث للهجتي ولا كان هدف إدخال الكلمات الأجنبية وقتئذ معروفا لديّ فكان هذا هو واقعي اللغوي دون أي تحليل أو وعيّ مني حتى جاء يوم كنت أتحدث إلى أبي تليفونيا فقلت له: "ألو بابا" ..... وكان منه أن انزعج جدا ثم وبخني قائلا إننا لا نتحدث بهذه الطريقة وإن هذه اللهجة ليست لهجتنا! كانت هذه المرة الأولى التي أنتبه لواقعي اللغويّ وربما لم أتوقف عما كنت أفعله من ترنح اللهجات ولكني كنت حريصة أن أتحدث إلى أبي باللهجة التي لن يوبخني من أجلها: اللهجة المصرية!
تركت لندن ولم أتخذ دراسة اللغويات طريقا لي في أول حياتي ولكني ظللت مولعة باللهجات والمفردات الجديدة التي أتعلمها من اللهجات العربية المختلفة لدرجة أن كلمة "بالزاف" دخلت مفرداتي الشخصية وأصبحت أستخدمها بلا وعي مني لفترة من حياتي، كما دخلت أيضا عدد من المفردات الأخرى لا أستطيع إحصائها...وعندما أتحدث عن المفردات الشخصية فذلك لأن لكل منا حصيلته الخاصة من المفردات التي تخصه وقد تختلف تماما عن شخص آخر ربما يعيش في محيطه حتى لو كان الأخ أو الأخت، فالبعض منا اختار أن يستخدم "عايز" بينما البعض الآخر يستخدم "عاوز" بمعنى "أريد" والاثنان استخدامها صحيح ولا يعيب استخدام واحدة منهما المتحدث بأي شكل من الأشكال، أما سبب اختيار الشخص لإحداهما، فذلك أمر يستدعي البحث والتمحيص...وكذا الحال بالنسبة لـ "برطمان" و"بطرمان" و"جنزبيل" و"زنجبيل" وهكذا من المفردات العامية.
وما يستحق لفت النظر حقيقة هو تدارك المنهجيين من مدرسي اللغة العربية لغير الناطقين بها في خارج الوطن العربي لمحيط دراسة اللغة العربية بين أبنائها من متحدثي اللغة الأصليين (نحن)، والمحيط المعني هو كيف نتعلم عربيتنا الفصيحة؟ نحن نذهب إلى المدرسة صغارا بحصيلة مفردات وتركيبات عامية لندرس لغة قريبة منها نتحدثها ولكنها ليست هي...أي والله ليست هي. وليت الأمر ينتهي هنا ولكن أستاذ مادة اللغة العربية في جميع المراحل يستخدم العامية في الصف للحديث إلى الطلاب وأيضا للشرح، نعم....يتم شرح الفصحى بالعامية...هذا هو الواقع ويجب أن نعترف به....فماذا يحدث لأبناء اللغة من هذا المزج الغير معني لإنتاجهم اللغوي؟ يحدث ما أطلق الدكتور العالم اللغوي النابغة السعيد بدوي عليه تسمية: عامية المثقفين، وهذه العامية التي نراها في برامج التوك شوز الآن وكنا نراها قديما في برنامج العلم والإيمان وعالم البحار وحتى برنامج لغتنا الجميلة لفاروق شوشة كنا نرى فيها هذا المزج من العامية والفصحى...كما كنا ومازلنا نقرأ هذا المزج في كتابات لكتاب هم علامات في الأدب العربي....فكم من حوار عامي قرأناه ونحن نقرأ رواية لأحد أدباء الفصحى، وكان يحيى حقي يستخدم المفردات العامية عندما لا يجد من الفصحى ما يطوعه لإدراك المعنى، أما نجيب محفوظ فاستخدم التركيب العامي في الحوار إلا أنه أبقى الكلمات الفصيحة، فكانت أقرب للعامية منها للفصحى.....وقد أوجز المؤلفون هذا الواقع اللغوي في منهجية جديدة ألا وهي إدراج الفصحى والعامية في نفس الكتاب وفي نفس الصف كنوع من محاكاة ما يحدث لابن اللغة، وبالفعل تبنت كبرى الجامعات الأمريكية والأوروبية التي تدرس اللغة العربية لغير الناطقين بها هذا المنهج وحصلت على نتائج أفضل بكثير من تدريس الفصحى منفصلة عن تدريس العامية، فقد أدرك الطالب الأجنبي أنه لا غبار عليه في المزج وأنه يستطيع أن يتحدث بالعامية في الصف بينما يكتب بالفصحى في نفس الصف....
أما دراستي اللغوية عن المزج اللغوي فقد أضافت بعدا آخر لعملية الإنتاج اللغوي لم يحتوها كتاب بعد....كان علي أن أختار موضوعا للبحث لرسالة الماجستير ولم أفكر كثيرا لأنني كنت أعرف ماذا أريد بالضبط....ما الأسباب التي تستدعي النوبي المصري للخلط بين النوبية والعربية إذا كان يتحدثهما الاثنين بنفس الطلاقة؟ تراها نفس الأسباب التي تستدعي الشخص الذي يتقن العربية والإنجليزية للخلط؟ نعم، هي نفس الأسباب، وللإيضاح، إنها تتراوح بين نفس العوامل التي تؤدي للخلط اللغوي عند ثنائي اللغة.....وبهذا يسقط الادعاء على من يمزج الكلمات العربية بالأجنبية بأنه حتما ولابد يريد بهذا التباهي والتفاخر، وبرغم من أنه أحد الأسباب إلا أن هناك أسبابا أخرى لا نستطيع إغفالها ولا يساع المقال لذكرها جميعا بكل أسف....ومعنى هذا أن الخلط اللغوي بين أبناء اللغة واقع لغوي أيضا شئنا أم أبينا....فأنا لا أتحدث عما يجب أن يكون ولكني أتحدث عما هو بالفعل كائن: عدم استخدام العامة لكلمة "جزمة" واستبدالها بكلمة "شوز" له مدلول ثقافي قبل أن يكون مدلولا لغويا على سبيل المثال لا الحصر، ولذا عندما أسأل طالب اللغة العربية في الصف: عملت إيه في الويكند؟ أكون قد حاكيت الواقع الذي سيراه لا محالة إما عبر التلفاز أو زيارته الميدانية لإحدى الدول العربية!
أستطيع أن أكتب في هذا الأمر كثيرا لكنني أؤثر القليل من الكلام على الكثير، وما يعنيني حقا هو تصوير لواقع لغوي ملموس في الخارج وفي الداخل...وقبل أن أصل إلى نهاية ما أكتب، أحب أن أضيف أن استخدام الفصحى مع العامية مع بعض المفردات الأجنبية في الصف لدارس اللغة العربية ليس كل ما يحدث، فقد أدرك الباحثون والمدرسون أن أبناء العرب ممن يعيشون بالخارج أصبحوا يتحدثون عدة عاميات في نفس الوقت حسب من يقابلون من جنسيات عربية مختلفة عنهم، فإذا قابل المصري أحد الشوام سيحييه بـ "كيفك" بينما إذا رأي الشامي أحد المصريين سيقول له "ازيّك" وسيكون خلال حديثهما عدة محاولات من الطرفين لتدارك لهجة الآخر، وكنت أجد غضاضة من استخدام أكثر من عامية واحدة في صفي وأنا أدرس اللغة العربية (أنا التي أدرس الفصحى مع العامية مع الكلمات الأجنبية المدرجة على لسان العربي أجد غضاضة من استخدام أكثر من عامية في الصف!!). كان ظني أن الطلاب ربما تختلط عليهم الأمور فكنت أطلب من مساعدتي الشامية ألا تقول "شو" بدلا من "ايه" ولا "مرحبا" بدلا من "أهلا وسهلا،" لكني بعد بعض تفكير وجدت أنني على خطأ، فالطالب ليس مجبرا على مقابلة المصريين فقط، ومن حقه الاطلاع على أكثر من عامية إذا كان هذا ممكنا....ومن ثم، جعلت التفاعل مع العاميات المتاحة مفتوحا ومتاحا للجميع....
نعود بـ "فلاش باك" للمشهد الدرامي بيني وبين والدي عندما كان عمري ١٦ عاما وأقول له "ألو بابا" بدلا من "ألو يا بابا،" ربما لم يكن والدي يعرف أنه كان يشهد واقعا لغويا عكف الدارسون عليه، معلش....الله يسامحك يا بابا!

تيد هيوز




أول شاعر أغرم بيه في حياتي كان شاعر البلاط الملكي البريطاني تيد هيوز وأول قصيدة قريتها له كانت Pike ودة نوع سمك كدة اتكلم عنه الشاعر بطريقة فريدة وصلتني مدرسة الانجليزي وهي بتقرأها إلى مرحلة من مراحل الولع الشديد! بعد كدة صممت أجيب له كل أشعاره وكان عندي ١٤ سنة بس والكتاب كان غالي عليّ...أعمل ايه؟ حوشت لحد ما جبته ودة كان أول إنجاز في حياتي...قريته ميت مرة وترجمته كمان وقلدته وحللته ومخلتش حاجة ممكن تتعمل بيه غير وعملتها  
سنين طويلة عدت واشتغلت في أخبار الأدب وطلبوا مني مقال لصفحة شرق وغرب...مقال مترجم. كنت في ألمانيا في محطة الاس بان ولا مش فاكرة انهي بان فيهم لما لمحت اسمه "هيوز" على ضهر جرنال على ستاند الجرايد، قربت لقيته انجليزي ومقال كبير عنه وعن مراته سيلڤيا بلاث اللي انتهت حياتها بالانتحار...لما ترجمت المقال وجبته مصر اتنشر في ثواني وكان مدير الصفحة طاير بي لكن أنا كنت زعلانة...عشان عرفت هيوز اللي ورا الشعر اللي بحبه...عرفت عنه جانب انساني ماكنتش متصوراه. بلاث كانت وصلت لأقسى مراحل الاكتئاب بسببه وطبعا بدون إيمان فالنهاية كانت كدة. الغريب في الأمر ان مش دي آخر زوجة بتنتحر معاه مع انه وسيم وأخاذ وشخصية!! أشعار بلاث كانت رسائل مناجاة وطلب للمساعدة وهو زي ما هو "كان يمرن مخالبه على إتقان القتل والأكل!!"

أنا أغني


ارتباطي بالموسيقى لم يكن عشوائيا كما قد يتصور البعض، فقد كانت لي صولات وجولات في تلحين ما يستعصي علي حفظه من نصوص إعدادي ... وأتذكر أني لحنت قصيدة "عند الجدار" لنزار قباني (وقد تم حذفها من المقررات بعد ذلك لما تحتويه من غزل غض) و قصيدة أخرى أتذكر منها "ها هنا يا مصر مجد لم يزل يملأ صوته أصداء الليالي" فحفظتهما عن ظهر قلب.....بعد هذا الكلام الكبير، بدأت في التأليف والتلحين معا...هكذا بدون أي آلات...بالبركة!! وبعد هذه المحاولات البريئة أفتت لي إحدى النساء اللاتي كن يأتين لزيارة أمي وأنا صغيرة بأن صوتي، على حد تعبيرها، حلو....وكأني أخذت من هذه السيدة بطاقة سماح فقررت أن أدرب نفسي على الغناء....أيضا مع نفسي بدون أي إرشاد....المهم وصلت للمرحلة الجامعية وفي محاضرة ما سألتنا الأستاذة لو لم تكونوا هنا تدرسون فماذا كنتم ستفعلون....وكان أن قلت لها أني كنت سأغني فقالت لي: غني إذا الآن....فغنيت أول مقطع من "هذه ليلتي" هكذا بمنتهى البجاحة 
بعد ذلك بسنوات عديدة وكنت قد نسيت موضوع الغناء تماما...تعرفت بمجموعة أصدقاء من الفنانين...وكان أحدهم يأتي بالعود إلى المقهى حيث كنا نلتقي ويعزف ويعزف وبعد ذلك كانت تنقلب الجلسة بقدرة قادر إلى حديث عن النوتة والمقامات ومصطلحات لم أكن أعرفها مثل "الربع تون" و"العُرّب" بضم العين وتشديد الراء المفتوحة....وأشياء من هذا القبيل، وكان يبدو على كل الجالسين الاهتمام والمعرفة إلا أنا....فكان وجهي ينطق بعنوان أغنية لأم كلثوم حرفته قليلا أو كثيرا (ما علينا)...كان وجهي يظهر عليه "الجهل كله." وتملكني الغيظ ولم أعرف ماذا أفعل....فأنا فعلا لم أكن أفقه شيئا مما يقولون!!! وبعد تفكير عميق توجهت إلى كلية فنون موسيقية بالزمالك وأخذت دورة في الدراسات الحرة وكانت لي محاولات في العزف على العود (كلها باءت بالفشل بالرغم من أني اقترضت عودا من صديقي الفنان كان يصاحبني في البيت) وقيل لي هناك أن طبقة صوتي "ألتو" وبذلك فيجب علي أن أبتعد عن غناء ما لا يناسب هذه الطبقة....فالتزمت بالغناء لسيد دوريش وبعض أدوار عبد الوهاب وشاكرين مهللين!
أما في بلاد العم سام...فما أن وصلت وتواصلت مع معارفي القدامى هنا حتى دُعيت إلى مُلتقى غنائي أسبوعي للتواشيح والطقاطيق القديمة حيث يجتمع المهتمون بالغناء ليرددوا عدة تواشيح وطقاطيق تم الاتفاق على غنائها منذ أمد بعيد على عزف منفرد للعود، لفنان لبناني جميل، يصحبه الرق في بعض الأحيان....هذه المجموعة التي تتكون من عدة أجناس عربية أغلبها من المصريين اسمها "طرب." والمجموعة يغنون غناء فصيحا معربا أدهشني أنا معلمة اللغة العربية غاية الإدهاش....والحكاية كلها إن الأستاذ نبيل، خريج الكنسرفتوار في لبنان، عندما جاء إلى بوسطن من 30 سنة قرر أن يبقى على إحياء التراث بالجلسات الموسيقية التي يشتهر بها أهل الشام...وفي سنة 1997 استطاع أن يرأس مجموعات من محبي الطرب العربي تزيد وتنقص حسب الظروف....ولذلك فإن وجوه مريدو "طرب" تتغير دائما إلا من أربعة بدأوا مع نبيل ومازالوا يغنون "يااااا عذيب المرشف"، وموشحات وطقاطيق وأدوار مماثلة من عام 1997 كل أسبوع وإلى اليوم في صبر وتؤدة يحسدون عليهما! لكنني لا أستطيع أن أغني ما أجهله...وفي هذا الموشح بالذات يوجد بيت يقول:
"رق وارحم مدنف....مُستهامٌ عذري" وهكذا استخلصها الأستاذ نبيل من كتاب تراثي عتيق....لكنها تُغنى من قبل فناني الموسيقى العربية كما سُمعت من سيد دوريش على ما أظن "رق وارحم مدنف....مستهامَ العذري" وبحثت وبحثت ولا أظن أنني أستطيع أن أهضم "مُستهام العُذري" فالمعنى غير مفهوم....في الأولى نعرف معنى "مُستهام" ويتضح من الجذر علاقتها بالهيام وكذلك الحال في كلمة "عُذري" لكن "مُستهام العُذري" المغناة ليس لها معنى...وها أنا معذبة من وقت أن اتضح لي هذا الفرق ويا له من عذاب مؤرق!
ولأن الشيء بالشيء يذكر...لن أغض الطرف عن المائدة المستديرة التي تتولى كل أسرة مضيفة لمجموعة طرب تحضيرها، وبرغم من أنه يوجد اتفاق على أن تحتوي هذه المائدة على ما يطلق عليه "طعام الأصابع" أي أكلات خفيفة تؤكل على الواقف إلا أن كل أسرة مضيفة تتعمد من وقت لآخر مفاجأة المجموعة بإعداد صنف يزلزل الرغبات الدفينة مثل الكشري الذي يقدم على جانبه الورد والدقة...
وهكذا تكون محاولات الحفاظ على التراث الغنائي في بلاد العم سام ....لحظات من الزمن القديم في منزل شرقي المكونات بَيد أنه في القارة الأمريكية....ومن حين لآخر يتم دعوة أعضاء "طرب" لاعتلاء أحد المسارح في حفلات موسمية....أما موضوع "مستهام عذري" التي انقلبت بفعل الزمن إلى "مستهام العذري" فلن أتركه إلا بعد أن أصل لقراره!

أما أنا، فقد أخذتني منتهى الشجاعة وكونت فريقا من طالبات الجامعة وغنينا فوق المسرح مرتين. كما أني اشتركت مع فرقة عبرية وغنيت معهم سطرين بالعربي في حفلة أخرى ثم أخيرا اشتركت في حفل زيتون وغنيت سمرا يا سمرا أمام الحضور:

https://www.youtube.com/watch?v=fTiIrWWZZMo




الأحد، 13 أغسطس 2017

في رحاب أم هاشم


لم أجد غرابة أبدا في انجذابي لفيلم "قنديل أم هاشم" للكاتب المبدع دائما، حتى وإن كان غائبا عن دنيانا، يحيى حقي، فحي السيدة زينب حيث تدور أحداث الفيلم مسقط رأسي كما أنه مسقط رأس الكاتب ذات نفسه! وبرغم العزل الذي مارسه عليّ أهلي كي لا أختلط بالشارع، إلا أن أضواء وأصداء مولد السيدة كانت تأتيني في عقر داري كل عام وتأجج مشاعري الغضة بالكثير من التساؤلات.... وكانت همهمات الأسرة عما يدور خارج جدران بيت جدتي، حيث عشت أول ثلاث سنوات من عمري وحيث كنت أقضي إجازاتي الصيفية والزيارات الأسبوعية فيما بعد، دائما ما تخبرني بأن هناك عالم خفي يجدر بي أن أكتشفه يوما ما. وبالفعل تسللت ذات يوم وقررت أن أمشي في الشارع مع جارة كنت قد تعرفت عليها بل وقررت أيضا أن أزورها في بيتها...وأتذكر جيدا العلقة الساخنة التي كانت في انتظاري...لكنني لم أيأس، وفي أعوام مراهقتي كان الأمر أسهل كثيرا...فكان مسموح لنا، أنا وأختي وقريبة لنا، أن ننزل الشارع ونمشي حتى دكان عصير القصب الذي يجاور مسجد السيدة فكنا ننخرط أكثر في الشارع ونعبره إلى ميدان السيدة ونستمتع بالنظر إلى كل ما هو هناك من دكاكين وباعة جائلين وصواني الكنافة والحلوى خلف الجدران الزجاجية وعربات تبيع "الزلابية" وأخرى تبيع الفول والفطاطري ...ومعظم الأسماء تحمل اسم "الطاهرة" فالفرن اسمه "فرن الطاهرة" والفطاطري اسمه "فطاطري الطاهرة" وهكذا...فهم في جوار السيدة...وفي الحقيقة، حتى مجرد الذكرى تبعث في النفس ألوانا من البهجة! ظلت للسيدة زينب سحر غامض يلقي بآشعته على كياني طيلة حياتي حتى أني أذكر مثلا أنني بعد نزوحي من السيدة زينب بأعوام كثيرة، كنت أعود ليصحبني خالي الفنان المهندس كي نصلي التراويح في مسجد ابن طولون ذو المئذنة الحلزونية، ليس لأنه مسجد وحسب، بل لأن خالي مغرم بتكوينه الإنشائي وتاريخه العبق...فكانت رحلات صلاة التروايح هذه تتميز بجولة داخل المسجد، بعد الصلاة، يتخذ خالي فيها دور المرشد السياحي ويلقي بالضوء على ما يسمح الوقت به من ذكر مثل النوافذ المختلفة التصميمات والمئذنة الحلزونية والبهو الذي تتوسطه النافورة...
وتزوجت وسكنت على الجانب الآخر من حي المنيرة ولم ينقطع انبهاري، فكنت زائرة معتادة لسوق السيدة أشتري منه مستلزمات البيت كل أسبوع بالرغم من أن سوق المنيرة كان أقرب ولكنه كان "خواجاتي" بالنسبة لي وليس شعبيا بما فيه الكفاية، وأذكر ضحكات بائعة الدجاج وأنا أحاول إقناعها أن تذبح كل دجاجة دون أن تراها دجاجة أخرى وأن هذه الرحمة بالحيوان أوصانا بها الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح...فكانت تحاول إرضائي بعض الوقت ثم تعود إلى ما تقوم به من ذبح جماعي!
وعندما صرت أستاذة لتدريس اللغة العربية لغير الناطقين بها، كنت كثيرا ما أقوم مع طلابي بزيارات ميدانية للسيدة زينب، تنتهي عادة بجلسة في إحدى الحارات حيث يوجد كبابجي الرفاعي أو على قهوة شعبية كي نشرب الشاي "الكوبيا" في الأكواب الزجاجية القصيرة...
كانت هذه المقدمة ضرورية لإلقاء الضوء على هويتي الثقافية التي أثرت على ارتباطي بكتابات يحيى حقي ومن ثم علاقتي بنهى حقي ابنته...فبعد أعوام من النزوح، جاء صديقي الفنان والقاريء النهم يوما من معرض الكتاب يزف إلى خبر حصوله على نسخ قديمة من إصدارات هيئة الكتاب لكتب يحيى حقي...كان أحد الكتب عن اللغة العربية "عشق الكلمة" وكنت قد بدأت تدريس العربية فكنت مهتمة جدا بأن أقرأ الكتاب...وبعد عدة محاولات، وافق صديقي أشرف على إقراضي الكتاب ثم بعد الكثير من الترجي وافق أيضا على بقية الكتب التي شرعت أقرأها بشغف بالغ...وفي إحدى طيات الكتاب مقال عن مفردات اللغة الإيطالية التي نجدها بكثرة في العامية المصرية...جذبني هذا المقال وقد قرأت أن هناك بحثا ما ذكر يحيى حقي أنه قام به بيد أنه لم يستطرد في التفاصيل...اتصلت بأشرف وحاورته في الأمر فما كان منه إلا أن قال لي...تحدثي مع ابنته في هذا الموضوع! وكنت قد قرأت عن ابنته، نهى حقي، في كتاب يحتوي على كتابات بين يحيى حقي وابنته، إلا أني لا أعرفها ولا أعرف حتى كيف يمكن أن أعرفها...بحثت عن اسمها فوجدت الكثيرات اللاتي يحملن هذا الاسم...غامرت وكتبت لإحداهن...قلت لها اسمي فلانة ولو أنت نهى حقي ابنة الكاتب يحيى حقي، يسعدني أن أتحدث معك...وكنت في غاية السعادة عندما جاءني الرد منها فكتبت لي: نعم هي أنا...اطلبيني بالتليفون ورقمي كذا. لم أكن أصدق أن الأمر بهذا اليسر لكنني عرفت بعد ذلك أن للقدر دورا كبيرا في تلك المعرفة... وبالطبع تحدثت معها على الفور وسألتها عن المقال والبحث الذي قام به والدها كمدخل للحديث، لكننا سرعان ما انتقلنا إلى أحاديث جانبية انتهت بدعوة لزيارتها. زرت نهى بعد يوم طويل بالجامعة في التجمع الخامس حيث كنت أدرس وأعمل، فاستقبلتني سيدة رقيقة وكأنها الفراشة، صغيرة وكأنها طفلة، جميلة وكأنها زهرة ...استقبلتني في بهو أنيق التفاصيل يمتليء بالقطع القيمة واللوحات البارزة ...وجلسنا في ركن ركين نحتسي قهوة فرنسية لذيذة المذاق نسرد من الذكرايات ما يملأ كتبا وكتبا....ونهى قصاصة ماهرة...تأخذ المستمع إلى أغوار جديدة برغم قدم الحكايا...يومها حكت لي حكاية جدها الأكبر لوالدتها الرجل البريطاني الذي جاء إلى مصر فأسلم وتزوج وأنجب... ومن السهل جدا أن ترى في نهى مزيج الدم البريطاني والتركي والمصري الأصيل...وحكت لي أيضا عن والدتها التي توفيت بعد شهر من ولادتها والجدة التي احتضنتها وربتها واعتنت بها طوال عمرها...وأظنه سبب استمرار نهى في كونها طفلة، فالجدة تكون أكثر حرصا من الأم نفسها. كان لي مع نهى حديث طويل تلته أحاديث ولقاءات أكثر ويكفيني شرفا أنني في أول يوم التقيت بها، غابت عني قليلا ثم أتت تحمل
الطبعات الجديدة لكل ما كتب يحيى حقي ثم أهدتهم لي بكل حب وكرم...


Image may contain: sky and outdoor

الخميس، 25 مايو 2017

ما يشتهيه الجنوبي

ما يشتهيه الجنوبي

كنت في السادسة عشر من عمري أدرس في بريطانيا وأعمل في إجازاتي الصيفية بمصر خلف مكتب استقبال في فندق شهير  في ورديات تمتد لثماني ساعات يقتلني فيها الملل والابتسامات المصطنعة، وكان في الفندق مكتبة صغيرة تحمل بعض الكتب العربية التي كنت أنتقي منها كتابا كل فترة كي أقرأه بعد ذهابي إلى البيت ، وحيث أني كنت متيمة بالأدب والشعر العربي، وقع في يدي الديوان الكامل لأشعار أمل دنقل، ورغم أني استغربت الاسم وقتها إلا أنني فور النظر بين طيات الكتاب، استوقفتني الكلمات التي تخللت كياني فجأة وبقوة حتى أني بعد شرائه مباشرة لم أنتظر حتى أنتهي من ورديتي لقرائته، بل شرعت فورا في القراءة  بنهم وتركيز بالغين حتى أنه لم يكن  يشتتني عن القراءة إلا نزلاء الفندق الذين يترددون على مكتب الاستقبال كل فينة وأخرى....كانت هذه الأعمال الكاملة في الكتاب الذي لا يفارقني ولم يفارقني منذ اشتريته....وأتذكر جيدا بكائي أثناء قراءة  "أوراق الغرفة رقم ٨" ....آخر ما كتبه دنقل!

ولأنني كنت أعيش تجربة نفسية رائعة مع دواوين دنقل، كان من الطبيعي أن أبحث عما كُتب عنه فكان ثاني كتاب أحصل عليه من نفس ذات المكتبة هو كتاب "الجنوبي" لعبلة الرويني، أرملة دنقل الحاضر الغائب. وبينما تخجل الكاتبة من وصف نفسها بمحاسن عزت وجودها في كل الأزمنة، فهي الزوجة الصديقة التي قضت أغلب سنوات زيجتها تنتقل من شقة مفروشة لأخرى إلى أن انتهت بإقامة جبرية بالمستشفى ترافق زوجا يحتضر، لم يكن من الصعب التكهن بما يدور بخلد دنقل عبر الأحداث التي تسرد بالكتاب وكأنها مرئية...فهو الجنوبي الذي لا يطمئن إلى اثنين: البحر والمرأة الكاذبة!  دنقل الذي كان عازفا عن الزواج
 عندما قابلها ككاتبة صغيرة في كافيه "ريش"  تريد الكتابة عنه، دار بينهما حوار أشبه بالـ (غلاسة) انتهى بقول دنقل: "لا تخشيني...فأنا لن أتزوجك."  ورغم أن الرويني كانت غضة صغيرة إلا أن الأنثى في داخلها ذهبت إلى بيتها تتظلل بتساؤل حائر لم ينته إلا بدنقل وهو يبيع قطعة أرض عزيزة عليه حتى يستطيع أن يتزوج الرويني...فكيف لنا ألا ندرك أن الجنوبي اطمأن لها؟

الرويني، هذه الشخصية الهادئة الخجولة الأنثوية في كل خلجاتها... التي لم تكن تحب التردد على المقاهي إلا وهي بصحبة دنقل إرضاء له لم تتردد أن تواري نفسها في كتاب كتبته هي عن زوج راحل...لا يظهر للقاريء منها إلا ظلالا من وفاء ونبل صاحب قرينها إلى المستشفى دون كلل أو ملل ثلاث سنوات كاملة...هي تقريبا عمر الزيجة نفسها التي لم تدم سوى أربع سنوات.   

فبعد مقدمة تتسم بمعالم الفلاش باك، تأخذنا الرويني إلى دهاليز شخصية دنقل، وشخصيتها أيضا، من خلال كتابات تبادلاها حتى ندرك أن شخصية دنقل التي حاول أن يغلفها بعدم الاكتراث في بداية لقائهما سرعان ما تكشفت عن إنسان بالغ الحساسية لم يستطع التعبير عن مشاعره الفياضة إليها وهو الشاعر المتمكن من مفردات الحب، فراح يكتب إليها نثرا لم يكن مغرما به!  أما الرويني ذات نفسها فتتكشف إلينا عبر كلمات دنقل فيها وهو يصفها قائلا: أيتها الفتاة البرية التي تكسو وجهها بمسحة الهدوء المنزلي الأليف.  وفي محاولة ناجحة لتلمس أغوار القاريء المحتمل لهذا الكتاب، تربط   الرويني بين دنقل ومفهومه عن الصداقة الذي أكسبته له مرارة الأيام وبين النفس البشرية التي إذا ما ضعفت فر منها الناس، ونعرف حينها ماذا كان يقصد دنقل ببيتين طالما دارا بخلدي:

رفسة من فرس 
تركت في جبيني شجا
وعلمت القلب أن يحترس

وتدفعنا الرويني دفعا إلى حب دنقلفلا نستطيع إلا أن نراه بعينيها فيبدو لنا جميلانقياصادقاوتتضاءل أمام نظرتها كل الدعاوى التي كان تقام ضد دنقل من كونه مريضا بالكبرياءقاسياحادا..لكننا لا نصدق تلك الدعاوى عندما نعلم ما عاناه من ظلم الأقربين الذي ترك في قلبه نزفا لا يطيب.  

وتتمادى الرويني فتكشف لنا الكثير عن نفسها، ربما أكثر قليلا مما تكشف لنا عن دنقل نفسه، ليتضح للقاريء أن "الجنوبي" ليس في واقع الأمر كتابا عن دنقل وحده إنما عن كليهما معا في سيرة ذاتية تحتمل الكثير من الخصوصية بين شاعر وصحفية ثم بين صديق وصديقته ثم بين زوج وزوجته إلى أن نصل إلى دور الأرملة التي قامت به الرويني وحدها دون البطل!  هي الزوجة التي لم نستطع أن تكون الزوجة/الأم أو حتى الزوجة/الزوجة كما كانت ترغب واستحوذت من قلبه على لقب طفلته المستحيلة، على حد تعبيره، مما أوجدِ نوعا من الاختلاف النفسي بينهما أظنها عانت منه.

تذكرنا الرويني غير ذات مرة بعبارة شهيرة لدنقل: الناس تفر دائما من السفن الغارقةفندرك معنى إنسانيا دفينا يلمسنا جميعا بشكل موجعيضغط على أوتار علاقتنا بمن حولنا فتتكشف حقائق الذين تركونا بمنتصف العاصفة ونلتمس لدنقل العذر فيما كان يبدو عليه من تجهم وحدة أمام الناس. 

ويداهم السرطان دنقل فلا يكف عن الكتابة ولا يكف عن التدخينالذي يجد فيه متعته الوحيدة ، كما تخبرنا الروينيوسرعان ما يتسلل الخوف إلى قلب لا يعرفه فينطق دنقل بالشهادة قبل دخوله إلي غرفة العمليات….ويبدأ سرد الرويني من هذه النقطة بخلق غصة ألم في الحلق لدى القاريء فيشعر بعذاب امرأة يموت عنها حبيبها من خلال مشاهد قاسية التصور لمرض يغتال الشاعر شيئا فشيئاوكانت الرويني على حق، فإن السموم المسماه دواء هي المسؤولة الوحيدة عن قتله، وليس السرطان.  تنقلنا الرويني من مشهد مؤلم مبكي لآخر أكثر إيلاما وبكاء ولا نملك إلا أن نستسلم لها ومعهاونمد أيدينا نحن أيضا فنساعد دنقل على نزع حقنة الجلوكوز حتى يذهب في غيبوبة الذي لا يعود! 

بعد قراءة الجنوبي، ذهبت إلى أمي أحدثها عنه وكأنني اكتشفت شيئا جديدا...فكانت أمي تعرف الرويني جيدا وكانت تعرف دنقل...قالت لي أمي: مات دنقل فكتبت الرويني عنه فكان "الجنوبي" السبب في بقائهما معا...كان لابد لي أن أقابل هذه السيدة المتميزة التي قرأت لها وقرأت عنها في "سفر أمل دنقل" أيضا.  اتصلت بجريدة أخبار الأدب وأنا في أوائل العشرينات وبرهبة كبيرة سألت عنها وعرفت طريق مكتبها فذهبت لزيارتها...كنت وقتها أكتب في مجلة تصدر باللغة الإنجليزية وكنت قد قررت أن أكتب عن دنقل وكانت هذه فرصتي في أن أقابل الرويني وهناك هذا السبب...استقبلتني في مكتبها بأخبار الأدب بحفاوة وكأنها تعرفني من قبل...كانت هناك ابتسامة كبيرة على وجهها وكنت كمن رآها من قبل خلف سطورها في "الجنوبي."...سألتها عن دنقل وسألتها عن "الجنوبي"...ثم سألتها سؤالا طالما دار بمخيلتي...ماذا كتب عنها دنقل في أشعاره...كانت تبتسم عندما قالت لي أنه أشار يوما ما إلى آخر بيتين في قصيدة "مقابلة خاصة مع ابن نوح" وقال لها إنهما لها:

بعد أن قال "لا" للسفينة
وأحب الوطن


كم تمنيت أن يطول اللقاء ولكن ما ذهبت إليه كان قد تحقق ولم أجد عذرا آخر كي أتقرب إليها بكل أسف لكن القدر كان قد خبأ لي شيئا معها...في اليوم التالي...وجدت أكثر من خمسين مكالمة من الرويني على تليفوني...كنت في الأوبرا وفقدت محفظتي هناك وكان ممن وجدها أن يبحث فيها فيجد بطاقة الرويني فيتصل بها وتعرف أنها لي فتتصل بي بنفسها كي تخبرني بمكان المحفظة...وكان هذا بداية صداقة وطيدة بيننا تشرفت فيها بمعرفة الرويني أكثر والكتابة في صفحة "شرق وغرب" بأخبار الأدب بسببها وزيارة منزلها الذي اعتقدت أنني سأجد صور دنقل تملؤه إلا أنني تيقنت أن دنقل في قلب الرويني وليس بالضرورة على الحوائط الصماء.

تجاوزت الأربعين لكني لم أتوقف عن قراءة "الجنوبي" فأدرك بالعمر ما لم أستطع إدراكه سابقا...وأفهم ماذا كان يقصد دنقل عندما كان يشتهي الحقيقة والأوجه الغائبة!


سيونارا طموم