جامعة هارفارد هي أحلى
جامعة كان من الممكن أن أزورها في حياتي! ولأنها كبيرة، الشوارع فيها لها أسماء والمباني لها
أرقام....أما الطلاب الذين يجولون بها، فتظهر عليهم علامات العلم والنبوغ...أو هكذا صور لي خيالي...استدعى خيالي أيضا أغنية قديمة ألفها بيرم التونسي لطفا بحالنا:
حاتجن ياريت ياخوانا
مارحتش لندن ولا باريز
دى بلاد تمدين
ونضافه وزوق ولطافه
عندما ذهبت إلى هذه الجامعة، كنت قد عزمت على رؤية رئيسة القسم السابقة لأحد أقسام جامعتي بمصر والتي تشغل الآن منصبا بـ "هارفارد." لم يكن هناك موعد سابق، فلم ترد هذه الأستاذة على أي من رسائلي الإليكترونية منذ وصلت إلى "بوسطن،" وبرغم هذا فإني لم أشك في نيتها أبدا واعتقدت أن رسائلي لا تصلها بشكل أو بآخر فقررت أن قوم بزيارتها في الجامعة علها تجد لي وظيفة ما، هي التي كانت دائما ما تساعدني بالعمل في مصر، ولم أشك مطلقا في أن زيارتي ستزعجها كل هذا الإزعاج الذي بدا عليها أول ما رأتني! كان اللقاء باردا بعد مباغتتها إياي بـ "أنت أتيت بدون ميعاد." أخبرتها عن الرسائل التي أرسلتها فقالت لي إنها وصلتها وإنها كانت مشغولة فلم تستطع الرد....كان من الواضح أنها تستعد لدخول صف آخر فبعد حديث قصير جدا عن عدم وجود أي وظائف شاغرة تعرفها وعن عدم جدوى التقديم في برامج دكتوراه...استأذنت بالمغادرة فأذنت لي على الفور بعد أن أعطتني رقمها....لم أتصل بها أبدا وإنما تبادلنا بعض الرسائل الإليكترونية بعد أن عملت بجامعة مرموقة في ولاية أخرى....وانقطعت الرسائل مجددا بعدما فقدت هذه الوظيفة وبدأت في البحث عن أخرى....وحتى لا أظلمها، فقد ساعدتني بكتابة بعض كتابات الترشيح المطلوبة في بعض الوظائف التي قدمت عليها ولا أستطيع أن ألومها على شيء فالناس دائما ما تفر من السفن الغارقة، أليس كذلك؟
غير ما كتبته سابقا، لا أستطيع أن أصف منها إلا دكانا للكتب يحتل رصيفا أمام إحدى بواباتها يبيع أغراضا لطيفة للأطفال من كتب ولعب وخلافه...أما إذا ما شعر القاريء بأن كلامي غير متسق مع بعضه، فهذا لأني أتحسر على أن كل ما يربطني بهذه الجامعة العريقة هي هدية صغيرة اشتريتها لابني من هذا الدكان المذكور...ودمتم!
بعد هذا اللقاء بعام كامل، فتحت أبواب وظيفة شاغرة تتناسب مع مؤهلاتي بالجامعة وكانت الأستاذة السابق ذكرها في لجنة التحكيم...صورت لي آمالي العريضة أنني ربما أستطيع أن أحصل على هذه الوظيفة فقدمت فيها وأنا أتمنى أن أضع اسمي في يوم ما بجانب اسم "هارفارد"...لكن النتيجة لم تكن كذلك وتسلمت منهم خطاب اعتذار معتاد...
هذا كل شيء له علاقة بهارفارد....
من أهم مميزات ركوب الطائرات لساعات طويلة منحة زوج الشرابات التي نحصل عليها مع بعض المتعلقات الصغيرة في كيس أنيق! يمكنك هذا الزوج من الشرابات من أن تتمشى به في الطائرة، بعد أن تخلع حذائك، ذهابا وإيابا وكأنك سلطان زمانك...أما فرشاة الأسنان التي تمكنك من استخدامها مرة واحدة فقط بسبب "لحسة" المعجون الذي يصاحبها فهي شيء لطيف أيضا يجب الإشادة به...أما الجميل كله فينحصر في الأطعمة التي يمرون بها على الركاب كل حين فتستطيع أن تعبيء منها ما يكفيك للعشاء وللغداء أيضا في اليوم التالي...والقصة تنحصر في أن للسفر سبع فوائد وما سبق أن ذكرته أهم أول ثلاث فيهم!
الوضع ما بعد النزول من الطائرة التي تقطع المحيطات وتتجاوز أبعاد الفضاء مختلف أيما الاختلاف...ففي اللحظات التي تلت نزولنا من الطائرة والتي تم التعامل معنا فيها كأي مهاجرين جدد من استلام أوراق الهجرة منا وانتظارنا في أمكان مخصصة واستجواب قصير لزوجي صاحب الجنسية الأمريكية الذي اصطحبنا كعائلة له...كان هناك قرار آخر لا يقل أهمية....كيف سنذهب إلي الشقة التي استئجرناها قبل الوصول؟
اقترح زوجي وقتها أن نأخد الأتوبيس ثم المترو أو الـ T وبرغم التعب إلا أني وافقته في باديء الأمر ظنا مني أن الموضوع سهل وبسيط بما أننا في أمريكا حيث كل الأشياء الممكنة....ما لم أكن أعرفه أن دار الإفتاء المصرية لها فرع أمريكي يتواجد في مطار بوسطن حيث مكتب المعلومات لأن ما كان من الموظف المسؤول إلا أن أربكنا وجعلنا ندور في متاهة ونحن نحمل شنط السفر المعبأة بالملابس الشتوية الثقيلة فكنا نطلع وننزل بها حتى وصلت لنهاية حبل صبري....وبرغم نية التوفير التي حرصت أن أراعيها بشدة...وبرغم ما قالوه لنا في المطار عن مجانية المواصلات من المطار...وبرغم الريح....وبرغم الجو الماطر والإعصار...أخذنا تاكسي ودفعنا ٣٥ دولارا دفعة واحدة!
كنا قد أجرنا الشقة التي توجهنا إليها من المطار حينما كنا في مصر...كانت شقة مفروشة عن طريق برنامج عالمي اسمه الـ Airbnb...وكانت صور الشقة ومواصفتها أفضل بكثييييير من الواقع المرير....فكانت أول مرة لي أرى أرضا تشبه الزحليقة...فإذا وقفنا في منتصف الصالة نستطيع وبكل سهولة التزحلق جهة الشمال أو جهة اليمين....أما غرفة النوم فلم يكن فيها سوى سرير يتيم....وكانت طامتي الكبرى في الفرن الذي برغم من أنه مليء حياته إلا إنه لا يوجد به شواية مما أثر تأثيرا عظيما على صينية البطاطس التي لم يتم "تشميعها" على رأي أمي الحبيبة وصينية المعكرونة بالبشاميل التي لم يتم "تحمير وشها" كما كانت أمي تصفها....
كان يجب أن أضع حدا للجو البارد المحمل بالصقيع والثلوج الذي تخبرنا عنه نشرات الأخبار معلنة قياس ارتفاع الثلج المتساقط على الأرض...فحدثتني نفسي أن أطبخ عدسا...ولأني متعودة على أكياس العدس ذات الـ٤٠٠ جراما في مصر، لم أنتبه إلى كمية العدس الذي يباع في أمريكا فاستخدمت الكيس بأكمله كما كنت أفعل في مصر...وعندما تذوقتها بعد الطبخ، تذكرت ثلاثي أضواء المسرح في فيلم شاهدته أكثر من مائة مرة....كان الثلاثي في السجن وكان الطبخ مسؤوليتهم فوضعوا "الشبة" في الشوربة بدلا من الملح فما كان من المساجين بعد أن أكلوا أول ملعقة منها إلا أن نشف ريقهم واعوج فمهم ولم يستطيعوا الكلا....(الكلام يعني)!
الطريق طويل والثلج خارج الباب كثير...والحكايات لا تنتهي....
الحياه مليئة بمحطات سعيدة وأخرى مؤلمة...والفطن هو من يقتنص اللحظات السعيدة من رحم النعم التي يتمتع بها فتصفو روحه ويسلم لله أمره....أما صديقي الفنان، والذي سأشير إليه كثيرا نظرا لتأثره القوي على تفكيري ومنهاج حياتي في فترة حاسمة من عمري، فهو يطلق على المحطات السعيدة لقب "المسكنات" لأن من شأنها أن تخفف عنا مراحل الألم في حياة في واقع الأمر مليئة بالألم حسب رأيه، وبذلك تكتمل دائرة الحكمة الإلهية فلا نأسى على ما فاتنا ولا نفرح بما يأتينا!
وأما ما يلي فهي محطات شخصية جدا بدأت التفكير بتسجيلها بعد أن هاجرت إلى بلاد العم سام مع زوجي وأولادنا الثلاثة .... ويشاء القدر أن يسلب عائلتي ربانها صباح يوم عيد فتتوالى الأحداث وتتضارب المشاعر ونعلق أنا والأولاد في دوامات لا حصر لها...بيد أن العسر يصحبه دائما وعد الله باليسر.... وهكذا نجد رياحين عطرية تتلقفنا كل حين ونسمات رحمة تلطف بنا في كل آن ... أما كيف حدث ما حدث ولما حدث...وأما خلفية السفر والعلاقات ....فهذا هو سر الأسرار في عالم الكبار....والله الموفق والمستعان...
ولما أنني اخترت أن أطلق على نفسي لقب "البطوطة" فذلك ليس عني بغريب...فقد كنت ابنة السنتين أو الثلاثة وكان أهلي يدعونني بالـ "الست بطة" على اسم جارة لجدتي اسمها "فاطمة" ودلعها "بطة"...كانوا يقولون أني أمشي مثلها...مثل البطة...وبعدما كبرت، كان الكل يناديني بـ "سوسو"....تعالي يا "سوسو"....خذي يا "سوسو"....روحي يا "سوسو"...وبرغم من أني كنت أعتز باسمي الحقيقي جدا، لم أنتبه لاسم "سوسو" إلا عندما نادتني به زوجة أبي غير ذات مرة وأنا لم أتجاوز السبع سنوات فثارت ثائرتي وغلي الدم في عروقي ورردت على ندائها بغلظة وفظاظة قائلة: "أنا ماسميش سوسو"!!!!
أما في المدرسة التجريبية التي كنت أتجرع فيها مرار الأيام فكان العيال من المنكبين على الإجرام ينادونني بـ "صنارة" على وزن اسمي الحقيقي "سيونارا"...وبرغم ظني حينئذ أنهم يسخرون مني لنحافتي الشديدة إلا أنني اكتشفت وأنا في عقدي الثالث أن ذلك لم يكن إلا تحريف منهم لاسمي الغريب على آذانهم وهم المترعرعون في غياهب الجهل...وكان ذلك شأن المدرسين أيضا إلا أنني، حمدا لله، نسيت ما كان منهم من محاولات...
وعندما سافرت إلى بريطانيا في عمر ال١٤ عاما...دخلت الجامعة الأمريكية هناك في عمر ال١٦ عاما وإذ بي أجد أن اسمي أصبح "أمينة" بين الطلاب العرب هناك! كان هذا الاسم بسبب زعم بعض الزملاء من المغرب العربي أنني النسخة المؤنثة من زميل دراسة بيننا اسمه "أمين"....و"أمين" كان له حضور قوي والضحكة لا تفارقه...إلا أن "أمين" شخصيا لم يكن يناديني سوى بـ "حلوفة" ولهذا الاسم قصة بدأت بدخولي مطعم الجامعة ذات يوم ووقوفي مع الطلاب في طابور ممسكة بالصينية التي سيضع عليها الطاهي الطعام عندما يحين دوري...وإذا بـ "أمين" في هذا اليوم يقول لي: "ماتكليش لحم اليوم" وعندما سألته لما، كان جوابه بـ "حلوف"...ولقلة خبرتي بالمفردات ومعانيها في هذا الوقت، سألته ماذا تعني كلمة "حلوف"...ولأنها كلمة دارجة في المغرب، كان "أمين" مندهشا جدا من جهلي بها وأصبحت مثار سخرية إلى أن تركت الجامعة بعد عام من الدراسة فيها....ولأن كلمة "حلوفة" كانت جديدة علي من حيث المعني، لم أكن أشعر بوقعها ولم تكن تضايقني، بل كنا نضحك جميعا عندما يقولها "أمين".. وبالمناسبة فإن كلمة "حلوف" هي الكلمة الدارجة لكلمة "خنزير" بالمغرب العربي...وقد تعلمت معها الكثير من المفردات من الدارجة المغربية والجزائرية حتى أنني أدرجت معنى لكلمة يستخدمها المصريون في السب فقط عندما نطقها زميل مغربي فصيحة لينعت بها إحداهن فاستخدم القاف بدلا من الهمزة....وقتها فهمت المعنى الذي لو كنت قد قضيت عمري كله لم أكن لأفهمه في بلدي!
عندما تزوجت من حبي الأول، عاد اسم "بطة" للمشهد دون أي مجهود مني...كيف؟ لا أعرف حقا! كان زوجي يناديني بـ "بطة" برغم أني كنت مازلت نحيفة وبرغم من أنه كان لا يعرف شيئا عن قصة "الست بطة".... قام زوجي أيضا باختصار اسمي الشائع "سوسو" لـ "سو" وبدأ كل من حولي ينادونني بـ "سو" حتى من لم يقابله (تأثيره كان طاغيا رحمة الله عليه برغم من أنه لم يمت بعد)، إلا طبعا ماما وبابا اللذان لم ترق لهما إلا "سوسو" سابقا ولاحقا!
مر شريط ذاكرة الأسماء في حياتي عندما اتصل بي أحد نظار المدارس الأمريكية بعد أن وطئت قدمي بلاد العم سام وطلب مني أن أنطق اسمي أكثر من مرة حتى يجيد نطقه...وللتسهيل طلبت منه أن يناديني بـ "سو" فقط...رفض الرجل وقال لي: "لا...اسمك سيونارا ويجب علي أن أدعوك باسمك مهما صعب الأمر علي"
أين كان هذا الرجل من قبل؟
---------------------------------------------------------
مشهد جانبي لي وأنا أستمع لرائعة العندليب: تسلم لي وتسلم ضحكتها!