الخميس، 25 مايو 2017

زائر من فلسطين

يوميات البطوطة في بلاد العم سام #26

فارس...ابن صديقتي الفلسطينية...يبتسم ابتسامة عريضة بينما يجلس على حجر أمه ويتهدهد في إثارة ملحوظة وهو يسألها عن الضيف....من هو الضيف يا أمي...ولما سيأتي عندنا....وكيف نعرفه...وما مدة إقامته....أين سينام....وهل سيتحدث معي....هل سيكون صديقي....وصديقتي ترد عليه في صبر وتؤدة أحسدها عليهما...يا فارس هذا الضيف سيأتي إلينا من فلسطين...لا نعرفه يا حبيبي ولا يعرفنا لكنه أرسل إلينا صورته....هذا الشاب ذو السبعة عشر ربيعا سيأتي ليمكث عندنا شهرا بينما يتابع الأطباء وبرامج العلاج....سينام في غرفة خاصة أعددتها خصيصا له بجوار حجرتي أخويك الكبيرين....تستطيع أن تحدثه يا فارس ولكن انتبه....لا تسأله عن ساقه أبدا!

وفارس طفل لم يتعد الست سنوات ولكنه شغوف ولا يطيق السأم...كيف لا يسأل الضيف عن ساقه وما لها ساقه حتى يسأل أو لا يسأل عنها....قالت له أمه إن ساقه مبتورة...أي إنها غير موجودة....فهو يمشي على ساق واحدة....لا تنظر له بتعجب يا فارس...انتبه!  وفارس لا يعرف لما لا يستطيع أن يسأل الضيف عن ساقه....هذا الضيف الذي سيأتي إلي بيت أسرته بالغد دون سابق معرفة وفقط لأن الأسرة كانت من ضمن الأسر التي تفتح بيوتها للغرباء من الذين يأتون إلى بلاد العم سام للعلاج ويحتاجون لإقامة...لا يبتغون شيئا من وراء ذلك إلا حسن ثواب الدنيا والآخرة...كيف لا يسأله عن ساقه....وكيف لا ينظر إليها....ما هذا الأمر الغريب!!

لم يقتنع فارس بأن ما يجوز له سؤال الضيف عن ساقه المبتورة...فاستعانت صديقتي بيّ...قولي له يا خالتو لم لا يستطيع أن يسأل الضيف عن ساقه....واتكأت في مجلسي كمن سيشرع في محاضرة عصماء وقلت كلاما كثيرا لا أظن أن فارس اقتنع به وهذا ربما لأني لم أكن مقتنعة به أنا شخصيا من الأساس....فهو طفل ومن الطبيعي أن يسأل وإن تسبب بحرج الضيف...لن يستطيع أن يكف نفسه عن النظر والسؤال!

والتفتت إليّ صديقتي وكأنها تقول: خيبت أملي....ثم تطلعت إلى أمها لعلها تقنع فارس....لم يكن هناك بد من أن تقوم أم صديقتي ببعض المبالغات (كشأن جميع الأمهات) كي تضع حدا لهذه المناقشة المشتعلة والجدل العقيم فإذا بها تقول لفارس...إذا سألته عن ساقه المبتورة سيغضب منك الله وإذا غضب الله ستدخل النار!!  وإذا بفارس الصغير يباغتنا جميعا بسؤال ذكي وكأنه لم يلتفت إلى تهديد الجدة...لماذا فقد الضيف ساقه؟

استدارت أم صديقتي وبعينين دامعتين كانت هي الوحيدة التي استطاعت أن تجيب على سؤال فارس لأنني وصديقتي ظننا أن فارس لن يفهم إذا ما قلنا له أن الصبي ذو الساق المبتورة كان في مظاهرة بفلسطين وكان يهتف بسقوط الاحتلال فإذا بجندي إسرائيلي يطلق على ساقه طلقة شديدة الانفجار انتشرت في ساقه المسكين ومن ثم تم البتر....لكن أم صديقتي اختصرت كل هذه التفاصيل عندما أجابت فارس بكل بحب....فقد الصبي ساقه من أجل الوطن!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق