الخميس، 25 مايو 2017

غوايش طنط حياة


طنط حياة...قارئة الفنجان...اللي إيدها مليانة غوايش دهب مِضوي من الرسغ وأنت طالع...أتذكر كم كنت مبهورة بهذه المرأة حينما كنت أزورها طفلة مع أمي...كم كنت أتطلع إليها بإعجاب شديد...صوتها العالي المجلجل وهي تنادي على رضا ابنها...وجلستها المستقرة في وسط الحجرة...ويداها البضتان المتوهجتان بطارات الأساور الذهبية اللامعة حتى يكاد لون الجلد الأصلي ألا يبين....ظلت طنط حياة القاطنة بحيّ السيدة زينب – مسقط رأسي – عنوان الأصالة ونموذج الأنوثة في مخيلتي لسنوات عديدة...غير أني لم أعرف أبدا...من هيّ طنط حياة بالضبط ولماذا كانت تحرص أمي على زيارتها برغم اختلاف الطبائع والسمات... فأمي ألافرانكا خالص...خريجة حقوق...غصن البان...صوفيا لورين المصرية...وطنط حياة لا أستطيع أن أصفها إلا بأنها الحياة كلها...فهي سيدة بضة...واسعة القسمات...غير متعلمة...بلدي بلدي يعني...في جلستها يتم قلب فناجين القهوة بعد احتسائها ثم تقرأها بهوادة على الجالسات فتثير الآهات والآمال...ولما كبرت شوية وكسرت العشر سنين، كان أن فزت ذات مرة بقرائتها لفنجاني وكم اعتبرت ذلك شرفا عظيما حينئذ....يا سلاااااام!

لما نجحت في الابتدائية...فزت بغويشتين دهب معصعصين كدة مالهمش لازمة...وبرغم إنهم كانوا ولا حاجة في غوايش طنط حياة إلا إني اعتبرت نفسي في الطريق...طريق الغوايش ...قوم إيه...واحدة منهم تتكسر (جك كسر رقبتها) فماما بدلتهم لي على نجاحي في الإعدادية بغويشتين أقيم ملونين كدة وشغل فرنساوي خالص (ماما ذوقها ماكنش ماشي مع هدفي خاااالص)...ومع ذلك فرحت بيهم وفضلوا في إيدي سنين طويلة...طويلة جدا...لحد ما كبرت واشتغلت وحوشت وآن الأوان إني أعمل اللي كان نفسي فيه من زمان....أجيب غوايش كتير وألبسهم فوق بعضهم كدة....أيوة...دة كان كل أملي...غوايش يكون ذوقها مش فرنساوي...ومش عريضة...ومش رفيعة...يكون دهبها أحمر...مش أصفر إيطالي والكلام الفافي دة....وفعلا عملت كدة...اشتريت ست طارات من الغوايش (ولولا ضيق اليد وغلو الأسعار كنت كترت طبعا) ولبست ما بينهم الغوايش "التوتو" قصدي الإيطالي اللي ماما كانت جايباهم زمان عشان معزتهم عندي بس...للأسف يومها كانوا يا إما أجيبهم واسعين أو ضيقين فاخترت أجيبهم ضيقين ودخلوهم في إيدي بكيس نايلون وحاجات مزحلقة وأصبح من الصعب جدا خلعهم بل من المستحيل...

مش عايزة أتكلم عن المشاكل اللي واجهتني من ساعة ما الغوايش دي دخلت حياتي من تصفير في مطارات وتفتيش ذاتي وتعاوير وتجاريح ودم وكتابتي في وصيتي للمغفور له بإذن الله...ابقى خليهم يقصوهم مش يشدوهم....اللي عايزة أتكلم عنه صحيح إني حسيت إن جزء من شخصيتي مهم جدا اتكون بدخول الغوايش حياتي...أيوووووة....أنا مش عارفة عشت إزاي قبلهم...حقيقي مش عارفة! طبعا مرة مديرتي في الجامعة الأمريكية شافتني بيهم وقالت لي اقلعيهم يا مجنونة يا اللي بتركبي ميكروباصات بغوايش تتقتلي بيهم...وفي بلاد العم سام أصحابي مبهدلني...اقلعيهم يا مجنونة هتروحي تشخللي في المحكمة هيفتكروكي غنية وييجوا عليكي....الأمريكان بالذات بيبصوا بصة غريبة شوية على الغوايش دي لسة ما فسرتهاش لحد دلوقت....بس أنا ماقدرش أقلعهم...بجد....أنا ما صدقت لقيتهم ولاقوني!

الغوايش مش بس الحاجة الوحيدة اللي ربطتني بشخصيتي اللي أنا كونتها من تفاصيل صغيرة أثرت علي أيما تأثير مالهاش علاقة لا بماما ولا ببابا ولا بدراستي في بريطانيا وأنا صغيرة....إصراري على استخدام السمنة البلدي منذ أول يوم زواج لي عبر شراء الزبدة وتسييحها في شهر طوبة...ولازم تكون خض قرب...وبعد ما تسيح الزبدة، تفضل معايا السنة كلها...إصراري على شراء البيض البلدي والفراخ والبط من فوق سطوح الفلاحين بقرية تونس في الفيوم...إصراري من وأنا صغيرة جدا على تجميع أواني جدتي القديمة جدااا لدرجة إن جدتي الله يرحمها عشان تفرحني كانت تديني كوز مصدي أو طبق مغبر كدة وتقول لي دي لقيتهالك....ودة كان فعلا يخليني في منتهى السعادة والزقططة...والفكرة مش في تجميع القديم...لاااااا الفكرة في تجميع القديم اللي كان الناس في بيئة مجتمعية معينة بيستخدموه...حتى لو تضمنت الحاجات دي طقم فناجين فرنساوي...مش مهم...المهم هو إن جدتي كان عندها الطقم دة في يوم من الأيام وكان في دولاب فضيتها! 

نجيب محفوظ وهو بيستلم جايزة نوبل قال: أنا ابن حضارتين....وأنا كمان أقدر أقول على نفسي كدة برغم إنه كان يقصد الحضارة الإسلامية والفرعونية وأنا أقصد مزيج الشعبية والألفرانكا...أنا بجد فخورة بالشق الشعبي اللي فيّ ودة فادني كتير في تدريسي للغة العربية...إنما طبعا الميكس الغريب دة له تبعاته المنيلة بنيلة....واللي هو أنا الغجرية  :D

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق