يوميات البطوطة في
بلاد العم سام #30
أنا طول عمري أخاف من
الحقن ومن الكلام عن الدم والأوردة والكلام دة....فاكرة كويس في سنوات إعدادي كنت
باخد درس مع مجموعة من الزملاء في مكتبة كتب كبيرة في وسط البلد يمتلكها أبو إحدى
الزميلات وفي يوم كدة بعد إنتهاء الدرس قمنا نقلب في كتب المكتبة ووقفت صديقتي هبة
جمال عند كتاب طبي كبير وفتحت صفحاته بمنتهى الشغف....وكان الكتاب يحتوي على صور
تشريحية لأعضاء الجسم فما كان مني إلا أن شعرت بالغثيان الشديد....لما حد كان يجيب
سيرة الحاجات دي قدامي كنت أحس إن روحي بتروح وإن قلبي نبضاته بتتسارع....لكن زي
ما هو معروف إن أكل العيش مر....قوم إيه يطق في دماغي إن أبدأ كارير جديد وأركن
موضوع تدريس العربي دة على جنب شوية....ومن ضمن كل الشغلانات اللي ممكن أفكر
أشتغلها قررت إني أكون مترجمة طبية في المستشفيات....لحد هنا كويس بس مش كويس قوي
الصراحة....بعد ما خدت القرار دة (اللي هو مع نفسي كدة) اكتشفت إنه لازم له
شهادة....ولأني بحب أجمع الشهادات (لأنهم بينفعوا في المربات وبدل اللوح على جدران
البيت بعد كدة) قلت يا بت وماله....ناخد الشهادة... وبدأت تدريب مكثف نحو الهدف
إياه بدأ وانتهى بمصطلحات وتعبيرات كل ما كان يربطني بها من قبل هو الغثيان والله
بس!
في الواقع أنا كنت
فاكرة الموضوع سهل وحنين كدة، لكن طلع موضوع مهبب ما يعلم به إلا ربنا....القواعد
والأصول في هذه المهنة تتطلب من المترجم الفوري أن يكون باردا مثل الكرسي الحديد
وهو ينقل للمريض، على سبيل المثال، إنه هيموت مثلا أو إنه عنده مرض مميت....ولازم
المترجم يفتكر تعبيرات تختلف كل الاختلاف عن بعضها البعض لكنها مهمة جدا في الكشف
عن حالة المريض بدقة...فهناك فرق بين الوجع والتنميل ووخز الإبر والشعور بالطعنات
والألم النابض مع إنها في النهاية كلها أوجاع وآلام والله لا أكثر ولا أقل....ولا
بقى الفروق الطفيفة بين الخدر (بفتح الخاء والدال) والنعاس والدوار والغثيان....مع
إنها كلها بالنسبة لي واحد والله.....دة كوم والكوم الأكبر بقى هو التعبيرات اللي
زي البزل القطني ولا معرفش إيه في السائل الأميني....مين أميني دة؟!!
أنا
الصراحة مش جاهزة للامتحان...اللي هو هيبدأ بكرة الجزء الشفهي منه...والمفروض إن
المترجم الطبي يبدأ بتعريف نفسه للمريض وللدكتور بإنه يقول أنا فلان
الفلاني...هكون المترجم اللي هيساعدك انهاردة....كل ما تقوله سيتم ترجمته وسيبقى
سريا...سأستخدم ضمير المتكلم "أنا" في التعبير وهعمل الإشارة دي عشان
أتحكم في تدفق الحديث! أنا طبعا لو كنت
فضلت أحلم حياتي كلها بمصير ما...عمري ما كنت أتصور إني كان ممكن في يوم من الأيام
أتحكم في تدفق حديث بيتكلم عن السائل الأميني والتورم الدموي والمخاط والكلام الـ
يكي يكي دة....طب أعمل إيه والامتحان بكرة وفي الامتحان يكرم المرء أو يهان.....لا
والامتحان التحريري بقى فيه أسئلة عجيبة تقولش هطلع دكتورة...قال إيه أوصف أعراض
المرض الفلاني وأسبابه ومضاعفاته ....أوصف أنا ليه مش فاهمة...هو أنا اللي هكشف
على المريض يا ناس ولا الدكتور....قال إيه عشان أكون عندي توقعات مسبقة للأمراض
وأعراضها وأسبابها أثناء الترجمة....طب ما أنا أدخل طب وأريح نفسي بقى وخلاص! ولا المصيبة الكبيرة بقى....قال إيه هيجيبوا
صور تشريحية وإحنا نكتب عليها أسماء الأعضاء
بالعربي والإنجليزي...وصور إيه بقى....صور تشريح للقلب...endocrine
system.....الهيكل العظمي.....الناس دول فهموني غلط.....عامة أنا عرفت
غلطي وحرمت وبطلت ومش هعمل كدة تاني....أنا مش بتاعة الكلام دة يا ناس....أنا آخري
الجملة الاسمية والجملة الفعلية لكن موضوع الهيكل العظمي والسائل الأميني دة مش
أنا خالص....كله كوم ولما عرفت إن كلمة سرنجة يعني محقنة...ولا سمانة الساق يعني
الربلة.....يا سلام على الترجمة الدقيقة.....أنا لو في مستشفى وحد كان قال لي
الربلة قبل التدريب دة....كنت هقول له كلام وحش قوي بعد ربلة دي....ربلة حضرتك يا
مدام بتدل على أنوثة طاغية J
مش عيب
إن الواحد يحاول ويكفيه شرف المحاولة وأنا سأكتفي بالشرف المرة دي...والشرف حلو
برضه مش وحش!
يوميات البطوطة في بلاد العم سام #31
في الامتحان....جلست..تا تا تا....جلست والخوف بعينيها...ما بين
المدرسة التي تمثل دور الضحية...قصدي المريضة...والمتطوعة التي تمثل دور الطبيبة....طلعوا
ورقة كدة وطلبوا مني أكتب عليها اسمي وبدأت أتأمل فنجاني المقلوب....قصدي نصيبي من
المرض اللي هيمتحنوني فيه....تمام...بدأت الطبيبة بكلام كدة لازم أترجمه....والمرض
هو TB....التي بي دة يطلع إيه؟
هكذا حدثتني نفسي.....فلاش باك بقى على فيلم حسن يوسف وعماد حمدي في فيلم خان
الخليلي باين لما الأخ الأصغر فاز بحب الجارة اللي كان بيحبها الأخ الأكبر وبعدين
كان حسن يوسف بيشتري لحبيبته ورد من بائعة عند الترب كدة...بيقولها بكام قالت له
كلمة اختفت من مفرداتنا تماما دلوقت....قالت له: بالجودة....كلمة حلوة والله
معناها هات اللي تجيبه....أهه الأخ الأصغر بقى مات في الفيلم عشان جاله TB....إنما التي بي دة يطلع
إيه بالعربي....كلمة "السل" ماجتش في دماغي فقلت "التهاب
رئوي" وكانت هي كمان صح!
الترجمة تخللتها كلمات كتير زي "عدوى" بمعنى “Infection” واختبار الـ PPD اللي هو الاختبار اللي تحت الجلد دة...وطبعا بعد
الاختصار بتاعTB اللي جه في الأول عشان يخضوني، ظهرت الكلمة
الكاملة للمرض Tuberculosis ...والصراحة أنا محظوظة
لأن المرض دة بالذات لازم يعملوا له اختبار من ضمن متطلبات الهجرة وعدت عليّ
مفرداته من قبل لأنه كان مطلوب من أولادي قبل الهجرة في مصر وقبل دخول المدرسة في
بلاد العم سام وعشان الاختبارين اتعملوا ورا بعض مباشرة حصل تفاعل وظهرت النتيجة
بالإيجاب وطبعا رفضت المدارس دخولهم لحين عمل آشعة X للصدر والحمد لله طلعت النتيجة سلبية...لكننا
استفدنا من النتيجة الإيجابية بإننا كلمنا شركة الطيران وأجلنا تذاكر العودة سنة
بحالها بدون غرامات لأن طبعا شركة الطيران مش عايزة ركاب بنتيجة إيجابية على الطيارة
لأنه مرض معدي عن طريق الهواء وممكن تعمل أي حاجة بس ما يركبوش!
المهم فضلت التمثيلية شغالة شوية وأنا بين الاتنين شوية عربي وشوية
إنجليزي....لحد ما وصلنا لنقطة مهمة جدا وهي .... نقطة النهاية....وقالت لي
"ضحى" بابتسامة عريضة: نجحتي!!
أنور وجدي في أمير الظلام: الأول !!!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق