الخميس، 25 مايو 2017

قصتي مع السرطان



كام مرة عديت من قدام معهد الأورام في مصر ولقيت ناس نازلة متسندة أو طالعة متسندة أو أهالي جايين من بعيد مفترشين الرصيف بحصير أو بطاطين تعلو وجوهم الحسرة في انتظار ذويهم اللي بياخدوا جلسات كيماوي بتقضي عليهم قبل ما بتنقذهم….عملت إيه؟ اتهزيت؟ اتأثرت؟ جريت مني دموعي مرة أو مرتين؟ اتخانقت مع أمين شرطة بياخد مخالفة لعربية أهل مريض جريوا بيه علي فوق بسرعة وسابوا عربيتهم قدام المعهد اللي مافيش حواليه ركنة أصلا شوية؟ بس كدة؟ هو دة اللي كان ممكن أعمله؟ اخس عليّ !!! أد إيه ضميري أنبني بعد ما كلمت الجمعية الأمريكية للسرطان عشان تشوف لي متطوع يوصلني للمستشفى اللي تبعد ساعة ونصف عن بيتي وبالفعل جت سيدة محترمة وفاضلة تتبرع بوقتها ومجهودها وعربيتها وبنزينها عشان تصطحبني للمستشفى وكمان تنتظرني عشان ترجعني البيت…سبحان الله!

الفني اللي بيحقني بالمادة المشعة اللازمة لعمل الآشعة خريج جامعة متخصصة في إنه يبقى فني بس! وعشان مبلغينه إني بخاف من الإبر، كان في منتهى الرقة والعذوبة والتفهم، وسمعت كلام كان غريب على وداني زي “جاهزة دلوقتي؟” أو “تحبي نحقن في هنا ولا هنا”؟ استغربت لما ماحدش قال لي خلصينا بقى أو إن فيه عيانين تانية منتظرين ويالا اجمدي وبلاش دلع زي ما كان دايما يحصل معايا في مصر!!

المستشفى اللي بروحها كانت إحدى المستشفيات اللي بناها اليهود بعد ما أعداد منهم غفيرة وصلت أمريكا وبدأ الأمريكان في ممارسة عنصرية سادية عليهم منعتهم من حتى العلاج في مستشفياتهم مما اضطر اليهود آنذاك إلى بناء مستشفايتهم الخاصة بيهم. دلوقت المستشفى غير هادفة للربح وأصبحت لليهود والمسيحيين والمسلمين كمان وسبحان مغير الأحوال! 

من التحاليل الأساسية لمريض السرطان عمل تحليل وراثة المرض، ودة طبعا تحليل مهمل عندنا في مصر بيد إنه على الأقل أصبح متاحا اليوم ولم يكن الأمر هكذا لما جالي سرطان في 2012….دة تحليل غالي جدا لكن مهم جدا لأنه بيشوف إذا كان المرض وراثي ولا لأ ولو كان وراثي فالعيال يبدأوا يعملوا كشف دوري من سن صغير تحسبا…..حتى لو كان الجدود لم يصابوا بالسرطان فمن الممكن إن جدود الجدود اللي ماتوا وماحدش وقتها كان عارف سبب وفاتهم إنهم كان عندهم المرض واتورث بعد كدة في الجينات لأحفادهم من بعدهم وهم وحظهم بقى….فيه كمان الاحتمال التاني إن المرض مش وراثي ودة لأننا كلنا عندنا خلايا سرطانية واللي مناعته بتخوخ شوية وتسيب الباب موارب، بتضحك عليها الخلايا السرطانية وتقوم داخلة من الباب الموارب وزي العرسة ما بتخرجش إلا بالطبل البلدي! أنا بحب الطبل البلدي على فكرة وماعنديش مانع إن فرقة حسب الله كلها تبدأ في العزف دلوقت  :)

الناس في مصر بتعامل مريض السرطان بشيء من الحيطة وعدم التصديق وكأنهم لما مايصدقوش إنه عنده سرطان هيخف!! والناس هنا بتعامل نفس الشخص بتقديم كل مساعدة ممكنة من وقت وجهد وعلم وفلوس….الناس هنا اكتشفت إن مريض السرطان له خصوصية وآشعاته وتحاليله بتتبعت بأظرف مغلقة شديدة السرية والدكتور العظيم بتاعي في مصر لما طلبت منه إحدى آشعاتي بعتهالي بكاميرا الموبايل بتاعه على الفيس بوك. 

ماقدرش أكتب عن الموضوع دة من غير ما أشكر صديقة عمري وأختي مناد اللي قعدت بولادي وأنا في المستشفى في مصر بعد انقطاعنا عن بعض حوالي 15 سنة…ودعاء الجارة والصديقة الصدوقة اللي وقفت جمبي جدا واستضافت ابني أثناء وجودي في المستشفى….وصديقي الصيدلي الدكتور العظيم عبده اللي ماكنش يعرفني ومع ذلك كان بيكلمني بالساعات يقول لي أعمل ايه ويوجهني في كل حاجة …. وقبلهم أبوية طبعا اللي مابخلش عليّ بأحسن مستشفي وأحسن دكتور….

الغرض من كلامي انهاردة إننا بدل ما نتفرج على إعلانات التبرعات ونمصمص شفايفنا…نقوم ندور، نتحرك، نساعد….صديقتي نهلة الله يكرمها هي ووالدتها كان عندهم زيارة أسبوعية لدار رعاية أطفال ولمعهد الأورام…الله يجازيكي خير يا نهلة، بدون ما تعرفي علمتيني إزاي قلبي يشوف الناس ويحس بيهم!

اليومية دي هتكون مفاجأة لناس كتير ماكانوش يعرفوا إني مريضة سرطان، وناس أكتر ماكانوش يعرفوا إنه رجع لي تاني….وعلى رأي صديق فنان…دعواتكم!


القصة من أولها




كنت قد استشعرت كتلة صغيرة فى ثديي الأيمن...ولم أعرها بالا خلال عام من اكتشافها برغم إلحاح راسل فى أن ارى طبيبا لأسأله على ما فىّ...لم أكن اظنه مهتما فعلا فقد كان إلحاحه عابرا ولم يتجاوز الكلام....

الغريب فى الموضوع أنى كنت مستهينة بالأمر تماما ولا استطيع أن أقول بأن كون الورم سرطانيا لم يخطر ببالى ولكني كنت أجده إذ يخطر أمرا مسلما به وكأني أجد فيه ملاذا وطريقا سريعا للموت يريحني من حياتى...خواطر غريبة ومحبطة وعندما أكتب عنها الآن أشعر وكأنني جلبته لنفسي عبر الطاقة السلبية التي أحطت بها نفسي والأفكار السوداوية التي تجسدت فى مرضي!

اتصلت بطبيب أمراض النساء كي آخذ منه موعدا وقلت له على الورم فنصحني بعمل ميموجرام قبيل زيارته....ذهبت لألفا سكان لعمل الميموجرام و فحصتنى دكتورة صغيرة فى السن لم تستطع البت فى الأمر...هل هو ورم حميد أم سرطاني...ولكنها اكتشفت بعض الأورام الأخرى واستطاعت أن تجزم بأنها أورام حميدة...نظرت لي وقالت...تحتاجين لرنين مغناطيسي!  وعندما سألتها لما...ردت وقالت بإن الرنين سيحدد طبيعة الورم ولأنها كانت مترددة بشأن تقريرها عن الورم طلبت منى الانتظار حتى تعرض الأمر على الاستشاري والتي لم تكن قد أتت بعد وقد تطلب رؤيتى مرة أخرى....لم ترني الطبيبة الاستشارية مرة أخرى يومها وخرج التقرير دون أن يحتوي على نتيجة تذكر....ولكنه أشار باحتمال 50% لورم خبيث.

يومها عدت إلى البيت قلقة ومتوترة ولكنى لم أسلم طبعا من مضايقات راسل والذي كان طليقي فى هذا الوقت...فبرغم أنى كنت منهكة القوى أريد أن أستسلم للنوم إلا أنه أصر على الذهاب زاعما أنه عشاء عمل تاركا لى الأولاد وكأنى مصنوعة من حديد...لدرجة أنى انهرت وقمت من فراشى للشارع حيث وقفت أبكي...كان هناك من يصلح التليفزيون لنا فى البيت وهو من منع راسل من نزول اعتزمه تاركا الأولاد بمفردهم فى البيت...جاء الرجل إلى أسفل المبنى وكنت أقف بجواره أبكي وعندما رآني، أصر على اصطحابي للشقة وكان أول من أصارحه بشكوكي حول الورم!

نحتاج فى بعض الأحيان إلى إنسانية دون الإنسان....


لم أعرف أين اذهب بالتقرير ولكنى تواصلت مع دكتورة نادين، طبيبتى المفضلة، ورشحت لى الطبيب الجراح يحيى صفوت....وذهبت إليه مع راسل ديسمبر 2011 وبعد الكشف والتدقيق الغريب فى الصور الضوئية...أفادنى بضرورة أخذ عينة من خلال حقن الثدى وسحب العينة...صدمت طبعا من هول تصور المنظر ولم أرغب في الذهاب للطبيب الذى أشار به في الحال كما اقترح وطلبت فرصة كي أهيىء نفسي لهذا التحليل الغير متوقع.....


لم أرغب فى عمل التحليل الغريب حيث يسحبون العينة من الثدى مباشرة عبر إبرة وبالذات بعد أن تحدثت إلى أحد أصدقاء والدي والذى أرهبني من تلك الفعلة وقال لى إن الورم لو كان خبيثا وسحب من الثدى بهذه الطريقة لانتشر فى الحال وطلب منى أن اذهب لأراه وبالفعل ذهبت....كان رجلا ظريفا ولكني لم ارتح لكونه بلا أستاذية ولا زمالة ولاشيء سوى جراحة عامة تلي اسمه!  أشار على بفكرة سحب العينة فى غرفة العمليات حيث يوجد طبيب متخصص فى تحليل الورم وإن كان مسرطنا يزيلونه وما حوله إلى أن يكون هناك هامش أمان....تلك الفكرة بعينها نقلتها لدكتور يحيى من خلال راسل ووافقنى وليته لم يفعل!

لم أقتنع وفضلت أن اعرض الأمر على جراح آخر وبعد استشارة نادين تفضلت وأفادتنى باسم دكتور جراح آخر وبعد أن استرحت لقبوله اقتراح سحب العينة في عملية...اتصل بي أبي وقال إنه عرف أن هذا الدكتور بالذات قام بعمل عدة عمليات ارتكب فيها عدة أخطاء طبية أودت واحدة منهم بحياة المريضة...

ذهبت أيضا إلى طبيب آخر لكني لم أكن مرتاحة لنظراته ولا لأسلوبه ولا لكل الآشعات التي طلبها...

كل هذا جعلنى أدخل غرفة العمليات مع د يحيى وأنا فى غاية الخوف والقلق ونفسي تحدثنى بعدم جدوى كل ذلك...وفعلا وبعد اقناع كبير من راسل وافقت وتمت العملية...

لم يلتزم د يحيى بما اتفقنا عليه لسبب أو للآخر وخرجت بنفس الكتلة السرطانية من غرفة العمليات وقد زاد عليها غرزا لفتق فى غاية الألم...وأفادنا بالذهاب إلى طبيب التحاليل الذى أخذ العينة ليحللها كي يبت فى الأمر...

عاودنا الذهاب إلى د يحيى بنتيجة التحاليل فقال لنا ما لم أكن اتوقعه ابدا...إما الاستئصال الكامل للثدى أو تفريغه بينما يقوم طبيب تجميل آخر بعملية ملئ للثدى فى نفس العملية!
بهت واصفر وجهي وحدثتني نفسي بأن أقوم فأقول له ما هذه الحماقة!! لكنه استطرد وقال إنه يحبذ لو أننا زرنا طبيب التجميل كي يكلمنا فى الأمر بنفسه...وقام راسل باصطحابى لطبيب التجميل الذي رشحه د يحيى وجلسنا ننتظره فى عيادة مليئة بالمرضى...إلى أن مللت وداهمنى شعور طاغي بأننا في هذا المكان كي ندفع "فيسيتا" بدون داع وأننا وقعنا في مافيا الأطباء...فتململت وطلبت من راسل أن نمشي من المكان قبل أن يحين دورنا!


ما بين ما قاله د يحيى وما حدث بعد ذلك دهرا...اذكر امتقاع وجهى عندما سمعته يقول ما قاله عن تفريغ الثدى وإن بدا متوازنا وكأن الموضوع ليس ذا بال!  كنت قد قررت ألا أتابع معه بعد عدة مناورات مع أفكاري...وتحدثت مع أبى فأعطاني رقم صديقه الذى بدوره عرّفنى بجراح أورام وصفه بالعظيم وهو فعلا كذلك...فهو دمث الأخلاق...هاديء الطباع...يتعامل مع الأمور ببرودة الجراحين المعهودة لكنه بشكل أو بـآخر...يخففها بشكل غريب وكأن الدنيا بمبي :)

حدثنا الدكتور شريف عمر عن ضرورة الإستئصال بعد عدد كبير من الآشعات والتحاليل وآشعة فوق صوتية أثبتت عدم صحتها بعد ذلك...والشيء الوحيد الذى أثار حفيظتى من الدكتور شريف هو أنه قرر أن يورث كل خبراته بل وكل مرضاه إلى ابنه العبقري ذى السبعة والثلاثين ربيعا...وكنت من ضمنهم طبعا...إلا أن ابنه دكتور عمر براجماتي الشخصية يعرف قيمة الوقت مثلي ومثل كل الكادحين من أبناء الثلاثينات الذين حصلوا على تعليم متميز وعرفوا أن الساعة تعني كما معينا من النقود...

لم ارتح كثيرا لعمر لكني كنت مضطرة...ربما لأنه صغير وربما لأنه سكب لونا غامقا على الصورة الملونة التى رسمها أبوه رغم البت بالإستئصال...

وكانت العملية...الكبيرة...فى غاية الألم والوجع وبالكثير والكثير من المعاناة!  لم أجد أي مساندة من أختي الوحيدة فى هذا الوقت العصيب ولا حتى من أمي...واضطررت أن أبحث عمن أترك عنده أولادي وأنا في المستشفى...حتى وجدت صديقة قديمة من الفيس بوك فتركت عندها بلقيس وإبراهيم أما سليمان فتركته مع جارتى الغير متزوجة لأنه كان مازال يذهب إلى المدرسة...كان وقتا صعبا للغاية ولا ادري كيف دبر الله الأمور كي تكون على ما هي عليه...

أما راسل فقد كان انسانا عظيما حقا فى هذه المحنة ولم يكن قد أظهر هذا العظم منذ كنت فى المستشفى أضع سليمان...فقد أخذ أجازة من عمله ومكث بجانبى طوال فتر ة إقامتى بالمستشفى كما أنه ردني كزوجة بعد أن كنا مطلقين وكان يخفف عني بشتى الطرق ولم يترك أمرا عرف أنه يسعدنى إلا وقام به ...ولا يسعني إلا أن أدعو له بالجزاء الكبير في الآخرة عما فعله ... فبالرغم من أنه قد سبب لى الكثير من الألم النفسي والذى ربما نال مني حتى تحول إلى خلايا سرطانية تقتات عليّ إلا أنه فعل مابوسعه كي يخفف آلامي ويدواي جروحي....

فى الحقيقة فبرغم مما يبدو عليه راسل وما يفعله دائما للنيل من روحي إلا أنه انسان مسكين قذفت به الظروف إلى محل ربما ليس بمحله فتخبط ما بين شعور بعدم قبول ما حوله وبين وجوب قبوله...ترى فى عينيه بعضا من الأسى برغم الشرر الذى يتطاير منهما وقت غضبه حتى إنى فى نوبات جنونه أكاد أن أربت على كتفه وآخذه بين ذراعي من كثرة ما أشعر كم هو مسكين...وهو كالطفل يرنو دائما وطوال 24 ساعة إلى الاهتمام وإلى يد تحن عليه...يتأثر بالكلام الجميل والدعاء له ...وفى الحقيقة أيضا فانا لا أعرف إذا كان راسل يحبنى حقا.....ومع عدم تأكدي هذا والضغط على روحي أنا الإنسانة الرومانسية ، فلا استطيع أن أكمل بدونه رحلتي مع الأطفال الثلاثة وقد كانت مرحلة طلاقي منه واحدة من أصعب مراحل حياتي...فالأطفال يحبونه كثيرا ولا استطيع إنكار مساعداته الفعالة في مسؤوليتهم.

المهم أنى قضيت فى المستشفى أصعب أيام حياتي على الاطلاق وعندما تحركت الكانيولا ولم يصل دمي المسكن بعد العملية بساعات صرخت بشدة من الألم الغير محتمل...و فزع راسل وصرخ فى الممرضات وأتى الطبيب المسؤول بعد صديق أبي الذى أمرهم بإزالة الكانيولا تماما من ذراعي بعد أن أحدثت فيه تورما كبيرا بسبب السائل الذى تسلل لأنسجتي بدلا من شراييني... لم أكن قد أدركت بعد أنى أصبحت مشوهة!

عندما أتت صديقتى أليسا لتزورني فبكت فور دخولها...هنا أدركت الفاجعة وبكيت أيضا وأنا أقول لها ألا تبكي...غريب جدا من يتألم من أجل الآخرين ولا يريد أحدا أن يتألم من أجله!!

****************************************************
- ألا تريد أن تنجب؟
- إذا أردت سأتزوج أى امرأة عبر المسجد هنا...
****************************************************




ظننت أن بانتهاء العملية سينتهى كل شيء...كان دكتور شريف قد أخبرنى أنى ربما أخضع لعلاج إشعاعى بعد العملية لكنى مالبثت أن اصطدمت بواقع مؤلم حتى قبل أن أغادر المستشفى...دخل مساعد دكتور عمر ليخبرنى بأنى لن استطيع الاعتماد على يدى اليمنى كما كنت من قبل بسبب إزالة بعض الغدد الليمفاوية من تحت الإبط حيث وجدت خلايا سرطانية ايضا...قال إن أى جرح أو لسع أو حتى قرص بعوض لن يشفى بسهولة ويجب على ألا أعرضها لأى مخاطر من هذا النوع!

خرجت من المستشفى بدرنقة تتدلى من جسدى عبر خرطوم مجرد النظر إليه يثير الغثيان ... وفى أول زيارة لعمر بعد العملية بأسبوع أزالها بمنتهى الألم لكنه أفادنى بضرورة زيارة طبيب آخر يباشرنى فى رحلة العلاج الكيميائى...اعترضت وسألته عما قال والده عن العلاج الإشعاعى فقال وكأنه يهاودنى..."دعى الدكتور تامر يقرر..."

بالصدفة البحتة حدث ما يأتى...كان هناك زميلا للدراسه اسمه خالد عبد المنعم كل ما يربطنى به هو اشتراكه معى وبقية من الزملاء فى مشروع التخرج وقد وجدنى عبر فيس بوك قبل أن اكتشف مرضى بعام أو عامين أى بعد مرور أكثر من عشر سنوات على آخر مرة قابلته...وكنت قد وعدته بأن أراه قبل اكتشافى للمرض فوجدت أنه من الذوق أن أعتذر له عن عدم وفائى بوعدى وعبر الفيس بوك ثم التليفون تكلمنا عن الأمر ووجدته يقول لى إن إحدى صديقاته قد توفاها الله من نفس المرض منذ شهر أو أقل ثم ذكر اسمها...اسمها هبة...هبة ميتكيس...يا الله...كيف؟ ...هل هذه هبة التى كانت طالبة عندى...هل هذه هبة التى وعدتنى فى المرة الوحيدة التى هاتفتنى فيها بأن تتصل مرة آخرى ولم تفعل ابدا؟؟  طلب منى أن اكتب اسمها واتأكد من صورتها...ففعلت...وكانت هى...بحثت عن المزيد من هبة ووجدت رسالتها إلىّ عبر الزمن والعوالم...قالت لى هبة إن العلاج الكيميائى تجارة وهى ترفض أن تكون إحدى زبائنها!

تراسلت مع إحدى صديقاتها وكانت أيضا طالبة عندى وتواصلت مع أمها وزرتها وأعطتنى أدوية هبة التى اتت بها من الهند فى رحلتها مع البحث عن علاج طبيعي بديل للعلاج الكيميائى فى حقيبة حمراء اشترتها هبة كى تضع فيها أدويتها الكثيرة...

مسكينة هبة...وعدتنى بالإتصال وها هى تتصل بى من العالم الآخر لتنصحنى بعدم الخضوع لأوامر الطبيب.  شعرت أن الرسالة موجهة إلىّ بطريقة غريبة حتى أنى بكيت وبكيت وتمنيت لو أننى عرفتها أكثر وأحببتها أكثر وشعرت أنها تقترب منى وتهمس فى أذنى أنا وأنا بالذات وفى هذا الوقت بالذات قبل أن أسير وراء كلام دكتور عمر كالبلهاء دون تفكير وكنت بالفعل سأفعل لو لم تنصحنى هبة فمن منا لا يريد العلاج ومن منا لا يثق فى كلام الطبيب الذى يعالجه بل الطبيب الذى أجرى له الجراحة...بالطبع كنت نفسيا مستعدة لأن أذعن لما يقول به عمر وصديقه تامر من أى علاج يقررانه إلى أن أوقفتنى هبة عن الاستمرار فى المُضي كقطيع الماشية!

رسالة هبة إلىّ وإلى كل مرضى السرطان:



...وذهبت إلي الدكتور تامر النحاس وجلست فى انتظار دورى...كانت بجوارى سيدة ترتدى حجابا لكن ملابسها منتقاة بعناية كى تبرز مفاتنها وتبدو من الطبقة الراقية فى المجتمع لكن وجهها الممتقع وضعفها الظاهر رغم جسدها الملآن جعلانى أسألها عما بها.  أخبرتنى السيدة بأنها تعانى من سرطان الرئة وأن الطبيب قد نصحها بضرورة جلسات الكيمو التى أفقدتها قواها كما أحدثت فى جلدهاا تشوهات واضحة أرتنى إحداها على يديها...حكت لى عن الطبيب الأجنبى الذىى يزور عيادة الدكتور تامر كل فترة وقد نصحها بالكشف عنده بفيسيتا بلغت 3000 جنيه ولم يقل شيئا جديدا!  قالت لى إن بعد كل جلسات الكيمو التى قضتت  عليها...لاتزال تحتاج إلى عملية والعملية خطيرة!

بعد أن ملأت استمارة ما تطلب منى اسمى واسم الطبيب المعالج الخ الخ...أُدخلت إلى غرفة بها اثنين من الأطباء المساعدين لدكتور تامر وجعلا يسألانى مجموعة أسئلة يحضرانى بها إلى أن اقبل العلاج الكيميائى دون أدنى شك فى أنه الوحيد الذى سينقذ حياتى ولن ييتم أطفالى...كانت الأسئلة كالتالى: هل لديك أطفال؟ كم عمرهم؟ انت صغيرة وهم صغار فلم تفعلين ذلك بنفسك؟

كانا وكأنهما مبرمجان على أن يقنعا المريض بأهمية العلاج فيدخل للدكتور تامر مهيأ نفسيا لاستقبال طريقة العلاج فلا يبذل الأخير مجهودا فى إقناع أو شرح كثير...لكنى كنت مبرمجة أنا الأخرى على عدم قبول العلاج الكيميائى مهما تطلب الأمر...ودخلت أخيرا للدكتور تامر فى مكتبه الذى يشبه مكاتب رجال الأعمال بالكثير من الصور العائلية والشخصية فى الخلفية والكثير من الأشياء الصغيرة التى تملأ سطح المكتب العريض والذى يجلس الطبيب خلفه وكأنه ممسكا بريمود كنترول يعرف به كيف يمتص المريض ويجعله يرضخ لما سيقول لكنى بادرته باعتزامى ألا اخضع للعلاج الكيميائى مهما كان وأنى مستعدة للخضوع للإشعاعى...لكنه نفى جدوى الأخير وسألنى إذا ما كنت قد فكرت فى العلاج الهرمونى...واخذ يتم ما هيأت له من عمليات إقناع فى غاية الحرفنة حتى إنه عرفنى بالممرضات على أنى المريضة التالية واخذ يوصيهم علىّ!!  

فى الحقيقة...كدت اقتنع وذهبت إلى بيتى وأنا أفكر بالأمر بجدية وبعد تسعة أشهر من هذه الزيارة مازلت أفكر!

حاولت أن أصل لمكان ما حيث اتلقى علاجا وسطا لا يدمرنى ويعتنى بى وأنا اتلقى العلاج وبالفعل وجدت مستشفى ما فى ألمانيا متخصص فى علاج حالات السرطان طالما أنه ليس فى مراحله الأخيرة...لكن هذا المكان تبلغ تكاليفه ربما 200 ألف جنيه رفض أبى مساعدتى بها رغم قبوله المبدأى ... حزنت قليلا وأكملت حياتى بعدها وكأنى لم اعرف أنها موجودة أصلا.

حاولت أن آخذ دواء هبة لكن عدم معرفتى بمكوناته وطعمه السيىء جدا جعلانى اتوقف عن تعاطيه بعد أسبوع واحد...

لم يكن هناك حل آخر...إما العلاج الكيميائى أو الاستعداد للمرض مرة آخرى...أو فقط ربما محاصرته ذهنيا والمُضي فى الحياه وكأنه لن يعود ابدا.

*****************************************************
-أتحبنى...
-بالتأكيد أحبك لكن مشكلتك أنك لست واثقة من نفسك!
*****************************************************



اين تنبؤات دكتور عمر بأن السرطان سيهاجمنى بشكل أشرس إذا لما أتمم العلاج؟ لماذا لم أمت إلى الآن...؟؟ ماتت هبة بعد عام ونصف تقريبا وقد هاجمها السرطان فى جميع أعضائها...اللهم ارحمها رحمة واسعة من عندك يا كريم.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق